الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٤ - ما أنا بطارد الذين آمنوا
وَ يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ.
فطرد المؤمنين الصالحين ليس بالأمر الهيّن، إذ سيكونون خصومي يوم القيامة بطردي لهم، و لا أحد هناك يستطيع أن يدافع عنّي و يخلصني من عدل اللّه، و لربّما أصابتني عقوبة اللّه في هذه الدنيا، أم أنّكم لا تفكرون في أن ما أقوله هو الحقيقة عينها أَ فَلا تَذَكَّرُونَ.
و الفرق بين «التفكر» و «التذكّر» هو أنّ التفكر في حقيقته إنّما يكون لمعرفة شيء لم تكن لنا فيه خبرة من قبل، و أمّا التذكر فيقال في مورد يكون معروفا للإنسان قبل ذلك، كما في المعارف الفطريّة.
و المسائل التي كانت بين نوح عليه السّلام و قومه هي أيضا من هذا القبيل، مسائل يعرفها الإنسان و يدركها بفطرته و تدبّره، و لكن تعصب قومه و غرورهم و غفلتهم و أنانيتهم ألقت عليها حجابا و غشاء فكأنّهم عموا عنها.
و آخر ما يجيب به نوح قومه و يردّ على إشكالاتهم الواهية .. إنّكم إذا كنتم تتصورون أن لي امتيازا آخر غير الإعجاز الذي لديّ عن طريق الوحي فذلك خطأ، و أقول لكم بصراحة: لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ و لا أستطيع أن أحقق كل شيء أريده و كل عمل أطلبه، حيث تحكي الآية عن لسانه وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ و لا أقول لكم إنّني مطلع على الغيب وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ و لا أدعي أنّني غيركم كأن أكون من الملائكة مثلا وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ فهذه الادّعاءات الفارغة و الكاذبة يتذرع بها المدّعون الكذبة، و هيهات أن يتذرع بها الأنبياء الصادقون، لأنّ خزائن اللّه و علم الغيب من خصوصيات ذات اللّه القدسيّة وحدها، و لا ينسجم الملك مع هذه الأحاسيس البشرية أيضا ..
فكل من يدعي واحدا من هذه الأمور الثلاثة المتقدمة- أو جميعها- فهو كاذب.
و مثل هذا التعبير ورد في نبي الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا كما نلاحظ ذلك في الآية