الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٣ - ما أنا بطارد الذين آمنوا
تقول على لسان نوح: وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا فأنا لا أطلب لقاء دعوتي مالا أو ثروة منكم، و إنّما جزائي و ثوابي على اللّه سبحانه الذي بعثني بالنّبوة و أمرني بدعوة خلقه إليه إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ.
و هذا يوضح بصورة جيدة و بجلاء أنّني لا أبتغي هدفا ماديا من منهجي هذا، و لا أفكر بغير الأجر المعنوي من اللّه سبحانه، و لا يستطيع مدّع كاذب أن يتحمل الآلام و المخاطر دون أن يفكر بالربح و النفع.
و هذا معيار و ميزان لمعرفة القادة الصادقين من غيرهم الذين يتحينون الفرص و يهدفون الى تأمين المنافع المادية في كل خطوة يخطونها سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر.
و يعقب نوح عليه السّلام بعد ذلك في ردّه على مقولة طرد المؤمنين به من الفقراء و الشباب فيقول بصورة قاطعة: وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا لأنّهم سيلاقون ربّهم و يخاصمونني في الدار الآخرة إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [١].
ثمّ تختتم الآية ببيان نوح لقومه بأنّكم جاهلون وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ و أي جهل و عدم معرفة أعظم من أن تضيعوا مقياس الفضيلة و تبحثون عنها في الثروة و المال الكثير و الجاه و المقام الظاهري، و تزعمون أنّ هؤلاء المؤمنين العفاة الحفاة بعيدون عن اللّه و ساحة قدسه! هذا خطؤكم الكبير و عدم معرفتكم و دليل جهلكم.
ثمّ أنتم تتصورون- بجهلكم- أن يكون النّبي من الملائكة، في حين ينبغي أن يكون قائد الناس من جنسهم ليحسّ بحاجاتهم و يعرف مشاكلهم و آلامهم.
و في الآية التي بعدها يقول لهم موضحا: إنّني لو طردت من حولي فمن ينصرني من عدل اللّه يوم القيامة و حتى في هذه الدنيا
[١] و هناك احتمال آخر في تفسير هذه الجملة، و هو أن مراد نوح عليه السلام: إن الذين آمنوا بي إذا كانوا كاذبين في الباطن فإنهم سيلاقون ربهم يوم القيامة و هو يحاسبهم، و لكن الاحتمال المذكور أقرب للصحة.