الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٤ - طمأنينة الروح في ظل الإيمان
أساس الانحطاط و التسافل.
يقول أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبته المعروفة مع همام، حيث يجسد فيها حالات أولياء اللّه في أرقى وصف:
«قلوبهم محزونة، و شرورهم مأمونة»
، ثمّ يقول:
«و لو لا الأجل الذي كتب اللّه عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثواب، و خوفا من العقاب» [١].
و يقول القرآن المجيد- أيضا- في شأن المؤمنين: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [٢]. و بناء على ذلك فإنّ لهؤلاء خوفا آخر.
هناك بحث بين المفسّرين فيمن هم المقصودون من أولياء اللّه، إلّا أنّ الآية الثّانية وضحت المطلب و أنهت النقاش، فهي تقول: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ.
الملفت للنظر أنّها ذكرت الإيمان بصيغة الفعل الماضي المطلق، و التقوى بصيغة الماضي الاستمراري، و هذا إشارة إلى أنّ إيمان هؤلاء قد بلغ حد الكمال، إلّا أن التقوى التي تنعكس في العمل اليومي، و تتطلب كل يوم و كل ساعة عملا جديدا، و لها صفة تدريجية، فإنّها قد ظهرت على هؤلاء بصورة برنامج دائمي و مسئولية متواصلة.
نعم .. إنّ الذين يرتكزون على هذين الركنين الأساسيين: الدين و الشخصية، يحسون بدرجة من الطمأنينة داخل أرواحهم بحيث لا تهزهم أية عاصفة من عواصف الحياة. بل يقفون أمامها كالجبل، كما وصفهم
الحديث: «المؤمن كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف».
و توكّد الآية الثّالثة على مسألة عدم وجود الخوف و الغم و الوحشة في شخصية و قلوب أولياء الحق بهذه العبارة: لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ و على هذا فهم ليسوا خالين من الخوف و الغم و حسب، بل إنّ البشارة و الفرحة و السرور
[١] نهج البلاغة، خطبة ١٩٣. صبحي الصالح.
[٢] الأنبياء، ٤٩.