الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٣ - طمأنينة الروح في ظل الإيمان
تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [١]. فلم يكن لهم تعلّق بما كان في أيديهم سابقا، و لا يصيبهم الغم و الحزن في اليوم الذي سيفارقونه، فإنّ روحهم أكبر، و فكرهم أسمى من أن تؤثر فيهم مثل هذه الحوادث في الماضي و المستقبل.
على هذا الأساس فإنّ الأمن و الطمأنينة الواقعية هي الحاكمة على وجودهم، و على حدّ قول القرآن: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ [٢]، و بتعبير آخر: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [٣].
و الخلاصة هي أنّ الحزن و الخوف عند البشر يتولّدان عادة من حبّ الدنيا، فمن الطبيعي أن لا يصيب هؤلاء الذين نفضوا أيديهم و قلوبهم من حبها خوف، أو حزن.
كان هذا هو البيان الاستدلالي للمسألة، و قد يعرض هذا الموضوع أحيانا ببيان آخر يتخذ شكلا عرفانيا بهذه الصورة:
إنّ أولياء اللّه غارقون في صفات جماله و جلاله، و ذائبون في مشاهدة ذاته المقدسة إلى الحد نسوا كل شيء غيره، و معلوم أنّ الغم و الحزن و الخوف و الوحشة تحتاج حتما إلى تصور فقدان و خسارة شيء ما، أو مواجهة عدو أو موجود خطر، فمن لم يجعل لغير اللّه مكانا في قلبه و لا طريقا الى فكره، و لا يقبل في روحه إله غيره، كيف يمكن أن يغتم و يخاف و يستوحش؟
لقد اتّضحت ممّا قلناه هذه الحقيقة أيضا، و هي أنّ المقصود من الغموم هي الغموم المادية و الأخاويف الدنيوية، و إلّا فإنّ وجود أولياء اللّه مملوء بالخوف و الخشية .. الخوف من عدم أداء الواجبات و المسؤولية. و الأسف و الحسرة على أن يكون قد فاتهم شيء من الموفقية، و لهذا الخوف و الحسرة صفة معنوية، فهما أساس تكامل وجود الإنسان و رقيّه، بعكس الخوف و الحزن الدنيويين فهما
[١] الحديد، ٢٣.
[٢] الأنعام، ٨٢.
[٣] الرعد، ٢٨.