الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١١ - الهمج الرّعاع
هذا إضافة إلى أنّ الجزاء إذا ما تمّ بهذه السرعة فإنّه يعني زوال حالة الاختبار التي هي أساس التكليف تقريبا، و ستتصف طاعة المطيعين بالجبر و الاضطرار، لأنّهم بمجرّد أن يعصوا فسيلاقون جزاءهم الأليم فورا.
و احتمل أيضا في تفسير هذه الآية أنّ جماعة من الكفار العنودين، الذين تحدث القرآن عنهم مرارا، كانوا يقولون للأنبياء: إذا كان ما تقولونه حقّا، فادعوا اللّه أن ينزل علينا البلاء، فإذا استجاب اللّه تعالى دعوة هؤلاء ما كان ليبقى من هؤلاء أحد.
لكن يبدو أنّ التّفسير الأوّل هو الأقرب.
و في الختام تقول الآية: يكفي عقابا لهؤلاء أن نتركهم و شأنهم ليبقوا في حيرتهم، فلا هم يميزون الحق من الباطل، و لا هم يجدون سبيل النجاة من متاهاتهم: فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
عند ذلك تشير الآية إلى وجود نور التوحيد في فطرة الإنسان و أعماق روحه و تقول: وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً.
نعم ... إنّ خاصية المشاكل و الشدائد الخطيرة، أنّها تزيل الحجب عن فطرة الإنسان الطاهرة، و تحرق في فرن الحوادث كل الطبقات السوداء التي غطت هذه الفطرة، و يسطع عندها- و لو لمدّة قصيرة- نور التوحيد.
ثمّ تقول الآية: إنّ هؤلاء الأفراد الى درجة من الجهل و ضيق الأفق بحيث أنّهم يعرضون بمجرّد كشف الضرّ عنهم، حتى كأنّهم لم يدعونا و لم نساعدهم: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
أمّا من الذي يزين لهم أعمالهم؟ فقد بحثنا ذلك في ذيل الآية (١٢٢) من سورة الأنعام، و مجمل الكلام هو:
إنّ اللّه سبحانه هو الذي يزين الأعمال، و ذلك بجعل هذه الخاصية في الأعمال