الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١ - آخر آيات القرآن المجيد
و من هنا فإنّ خطاب الآية الأولى موجه للناس، فهي تقول: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، خاصّة و أنّه قد وردت لفظة مِنْ أَنْفُسِكُمْ بدل منكم، و هي تشير إلى شدة ارتباط النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بالناس، حتى كأنّ قطعة من روح الناس و المجتمع قد ظهرت بشكل النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و لهذا السبب فإنّه يعلم كل آلامهم، و مطلع على مشاكلهم، و شريكهم في غمومهم و همومهم، و بالتالي لا يمكن أن يتصور صدور كلام منه إلّا في مصلحتهم، و لا يخطو خطوة إلّا في سبيلهم، و هذا في الواقع أوّل وصف للنّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم ذكر في هذه الآية.
و من العجيب أنّ جماعة من المفسّرين الذين وقعوا تحت تأثير العصبية القومية و العربية قالوا: إنّ المخاطب في هذه الآية هم العرب! أي أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قد جاءكم من هذا الأصل!.
إنّنا نعتقد أن هذا هو أسوأ تفسير ذكر لهذه الآية، لأنا نعلم أنّ الشيء الذي لم يجر له ذكر في القرآن الكريم هو مسألة الأصل و العرق، ففي كل مكان تبدأ خطابات القرآن ب يا أَيُّهَا النَّاسُ و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و أمثالها، و لا يوجد في أي مورد «يا أيّها العرب» و «يا قريش» و أمثال ذلك.
إضافة الى أنّ ذيل الآية الذي يقول: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ينفي هذا التّفسير بوضوح، لأنّ الكلام فيه عن كل المؤمنين، من أي قومية أو عرق كانوا.
و ممّا يثير الأسف أنّ بعض العلماء المتعصبين قد حجّموا عالمية القرآن و عموميته لكل البشر، و حاولوا حصره في حدود القومية و العرق المحدودة.
و على كل حال، فبعد ذكر هذه الصفة مِنْ أَنْفُسِكُمْ أشارت الآية إلى أربع صفات أخرى من صفات النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم السامية، و التي لها الأثر العميق في إثارة عواطف الناس و جلب انتباههم و تحريك أحاسيسهم.
ففي البداية تقول: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي أن الأمر لا ينتهي في أنّه لا يفرح لأذاكم و مصاعبكم، بل إنّه لا يقف موقف المتفرج تجاه هذا الأذى، فهو يتألم