الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - ٥- غزوة تبوك و نتائجها
كان من المحتمل جدا أن يستفيد المتخلفون من المشركين أو المنافقين- الذي امتنعوا بحجج مختلفة عن الاشتراك في الجهاد- من غيبة النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم الطويلة، و يجمعوا أفرادهم و يحملوا على المدينة و يقتلوا النساء و الأطفال و يهدموا المدينة، إلّا أنّ وجود علي عليه السّلام كان سدّا منيعا في وجه مؤامراتهم و خططهم.
و على كل حال، فإنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم حينما وصل إلى تبوك لم ير أثرا لجيوش الروم، و ربّما كان ذلك لأنّهم سمعوا بخبر توجه هذا الجيش الإسلامي العظيم، و قد سمعوا من قبل بشجاعة و استبسال المسلمين العجيبة، و ما أبدوه من بلاء حسن في الحروب، فرأوا أنّ الأصلح سحب قواتهم إلى داخل بلادهم، و ليبيّنوا أنّ خبر تجمع جيش الروم على الحدود، و نيّته بالقيام بهجوم على المدينة، شائعة لا أساس لها، لأنّهم خافوا من التورط بمثل هذه الحرب الطاحنة دون مبررات منطقية، فخافوا من ذلك.
إلّا أنّ حضور جنود الإسلام إلى ساحة تبوك بهذه السرعة قد أعطى لأعدائه عدة دروس:
أولا: إنّ هذا الموضوع أثبت أنّ المعنويات العالية و الروح الجهادية لجنود الإسلام، كانت قوية إلى الدرجة التي لا يخافون معها من الاشتباك مع أقوى جيش في ذلك الزمان.
ثانيا: إنّ الكثير من القبائل و أمراء أطراف تبوك أتوا إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و أمضوا عهودا بعدم التعرض للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و محاربته، و بذلك فقد اطمأن المسلمون من هذه الناحية، و أمنوا خطرهم.
ثالثا: إنّ إشعاع الإسلام و أمواجه قد نفذت إلى داخل حدود إمبراطورية الروم، و دوّى صدى الإسلام في كل الأرجاء باعتباره أهم حوادث ذلك اليوم، و هذا قد هيأ الأرضية الجيدة لتوجه الروميين نحو الإسلام و الإيمان به.
رابعا: إنّ المسلمين بقطعهم هذا الطريق، و تحملهم لهذه الصعاب، قد عبّدوا