الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٢ - ٥- غزوة تبوك و نتائجها
الرّسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم و نداؤه في جميع الدول المجاورة للجزيرة العربية، و لم يكن أحد يعير للحجاز أهمية لغاية ذلك اليوم، فلما بزغ فجر الإسلام، و ظهرت قوّة جيش النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم الذي وحّد الحجاز تحت راية واحدة، خاف هؤلاء من عاقبة الأمر.
إنّ دولة الروم الشرقية المتاخمة للحجاز، كانت تحتمل أن تكون من أوائل ضحايا تقدم الإسلام السريع، لذلك فقد جهزت جيشا قوامه أربعون ألف مقاتل، و كان مجهزا بالأسلحة الكافية التي كانت تمتلكها قوّة عظمى كإمبراطورية الروم، و استقر الجيش في حدود الحجاز، فوصل الخبر إلى مسامع النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم عن طريق المسافرين، فأراد النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أن يلقن الروم و باقي جيرانه درسا يكون لهم عبرة.
فلم يتأخر عن إصدار أمره بالتهيؤ و الاستعداد للجهاد، و بعث الرسل الى المناطق الأخرى يبلّغون المسلمين بأمر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يمض زمن حتى اجتمع لديه ثلاثون ألفا لقتال الروميين، و كان من بينهم عشرة آلاف راكب و عشرون ألف راجل.
كان الهواء شديد الحّر، و قد فرغت المخازن من المواد الغذائية، و المحصولات الزراعية لتلك السنة لم تحصد و تجمع بعد، فكانت الحركة في مثل هذه الأوضاع بالنسبة للمسلمين صعبة جدّا، إلّا أنّ أمر اللّه و رسوله يقضي بالمسير في ظل أصعب الظروف و طي الصحاري الواسعة و المليئة بالمخاطر بين المدينة و تبوك.
إنّ هذا الجيش نتيجة للمشاكل الكثيرة التي واجهها من الناحية الاقتصادية، و المسير الطويل، و الرياح السموم المحرقة، و عواصف الرمال الكاسحة، و عدم امتلاك الوسائل الكافية للنقل، قد عرف ب (جيش العسرة)، و لكنّه تحمل جميع هذه المشاكل، و وصل إلى أرض تبوك في غرة شعبان من السنة التاسعة للهجرة، و كان النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قد خلف عليا عليه السّلام مكانه، و هي الغزوة الوحيدة التي لم يشارك فيها أمير المؤمنين عليه السّلام.
إن قيام النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بإقامة علي عليه السّلام مكانه كان عملا ضروريا و في محله، فإنّه