الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٨ - الأعراب القساة و المؤمنون
المنفقين في سبيل اللّه: وَ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَ صَلَواتِ الرَّسُولِ.
هنا يؤيّد اللّه تعالى و يصدّق هذا النوع من التفكير، و يؤكّد على أنّ هذا الإنفاق يقرب هؤلاء من اللّه قطعا: أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ و لهذا سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ و إذا ما صدرت من هؤلاء هفوات و عثرات، فإنّ اللّه سيغفرها لهم لإيمانهم و أعمالهم الحسنة، ف إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
إنّ التأكيدات المتوالية و المكررة التي تلاحظ في هذه الآية تجلب الانتباه حقّا، فإنّ (ألا) و (إن) يدل كلاهما على التأكيد، ثمّ جملة سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ خصوصا مع ملاحظة (في) التي تعني الدخول و الغوص في الرحمة الإلهية، و بعد ذلك الجملة الأخيرة التي تبدأ ب (إنّ) و تذكر صفتين من صفات الرحمة و هما غَفُورٌ رَحِيمٌ كل هذه التأكيدات تبيّن منتهى اللطف و الرحمة الإلهية بهذه الفئة.
و ربّما كان هذا الاهتمام بهؤلاء لأنّهم رغم حرمانهم من التعليم و التربية، و عدم الفهم الكافي لآيات اللّه و أحاديث النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، فإنّهم قبلوا الإسلام و آمنوا به بكل وجودهم، و رغم قلّة إمكانياتهم المالية- التي يحتمها وضع البادية- فإنّهم لم يمتنعوا عن البذل و الإنفاق في سبيل اللّه، و لذلك استحقوا كل تقدير و احترام، و أكثر ممّا يستحقه سكان المدينة المتمكنون.
و يجب الالتفات إلى أنّ القرآن قد استعمل عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ في حق الأعراب المنافقين، التي تدل على إحاطة التعاسة و سوء العاقبة بهم، أمّا في حق المؤمنين فقد ذكرت عبارة فِي رَحْمَتِهِ لتبيّن إحاطة الرحمة الإلهية بهؤلاء، فقسم تحيط به الرحمة الإلهية، و الآخر تحيط به الدوائر و المصائب.