الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٦ - الأعراب القساة و المؤمنون
الأعراب أشدّ و أقسى، و شواهد التأريخ الإسلامي تدل على المسلمين قد تعرضوا عدّة مرات لهجوم منافقي البادية، و لعل الانتصارات المتلاحقة لجيش الإسلام هي التي جعلت المسلمين في غفلة عن خطر هؤلاء.
على كل حال، فالآية الأولى تقول: إنّ الأعراب، بحكم بعدهم عن التعليم و التربية، و عدم سماعهم الآيات الرّبانية و كلام النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، أشدّ كفرا و نفاقا من مشابهيهم في المدينة: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً و لهذا البعد و الجهل فمن الطبيعي، بل الأولى أن يجهلوا الحدود و الأحكام الإلهية التي نزلت على النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ.
كلمة «الأعراب» من الكلمات التي تعطي معنى الجمع، و لا مفرد لها في لغة العرب، و على ما قاله أئمّة اللغة- كمؤلف القاموس و الصحاح و تاج العروس و آخرون- فإن هذه الكلمة تطلق على سكان البادية فقط، و مختصة بهم، و إذا أرادوا إطلاقهم على شخص واحد فإنّهم يستعملون نفس هذه الكلمة و يلحقون بها ياء النسب، فيقولون: أعرابي. و على هذا فإنّ أعراب ليست جمع عرب كما يظن البعض.
أمّا «أجدر» فهي مأخوذة من الجدار، و من ثمّ أطلقت على كل شيء مرتفع و مناسب، و لهذا فإنّ (أجدر) تستعمل- عادة- بمعنى الأنسب و الأليق.
و تقول الآية أخيرا: وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي إنّه تعالى عند ما يحكم على الأعراب بمثل هذا الحكم، فلأنّه يناسب الوضع الخاص لهم، لأنّ محيطهم يتصف بمثل هذه الصفات.
لكن و من أجل لا يتوهم بأنّ كل الأعراب أو سكان البوادي يتصفون بهذه الصفات، فقد أشارت الآية التالية إلى مجموعتين من الاعراب.
ففي البداية تتحدث عن أن قسما من هؤلاء الأعراب- لنفاقهم أو ضعف إيمانهم- عند ما ينفقون شيئا في سبيل اللّه، فإنّهم يعتبرون ذلك ضررا و خسارة