موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٦ - احتجاج المأمون على العباسيين
« وَ كََانَ فِي اَلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ يُصْلِحُونَ » [١] فأيكم لا يكون معه تسعة وتسعون من المفسدين في الأرض ، قد اتّخذتموهم شعاراً ودثاراً ، استخفافاً بالعباد وقلة يقين بالحساب ، فأيكم له رأي يُتّبع أو روية تنفع ؟! فشاهت الوجوه وعُفّرت الخدود !
وما ذكرتم من عثرتي في أبي الحسن « نوّر اللََّه وجهه » ، فلعمري إنها عندي النهضة والاستقلال ! الذي أرجو به قطع الصراط ، والأمن والنجاة من الخوف يوم الفزع الأكبر ، ولا أظن أني عملت عملاً أفضل من ذلك عندي إلّاأن أعود بمثلها إلى مثله ، وأنىََ بذلك وأنىََ لكم بتلك السعادة ؟!
وأما قولكم : إني سفّهت آراء آبائكم وأحلام أسلافكم ! فكذلك قال مشركو قريش : «إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلىََ أُمَّةٍ وَ إِنََّا عَلىََ آثََارِهِمْ مُقْتَدُونَ » [٢] ويلكم ! إنّ الدين لا يؤخذ إلّامن الأنبياء ! فافقهوا ! وما أراكم تعقلون .
وأما تعبيركم إياي بسياسة المجوس إياكم ! فما يدفعكم الأنفةُ من ذلك ( حتّى ) لو ساستكم القردة والخنازير ! ( ولكنكم ) ما أردتم إلّاأمير المؤمنين ! ولعمري لقد كانوا مجوساً فأسلموا ، كآبائنا واُمهاتنا في القديم ! فهم المجوس الذين أسلموا وأنتم المسلمون الذين ارتدّوا ، فمجوسيّ أسلم خير من مسلم ارتدّ ! فإنهم يتناهون عن المنكر ويأمرون بالمعروف ، ويتقربون من الخير ويتباعدون من الشرّ ، ويذبّون عن حرم المسلمين ، ويبتهجون بما ينال الشرك وأهله من النُكر ، ويتباشرون بما نال الإسلام وأهله من الخير «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً » [٣] .
[١] النمل : ٤٨ .
[٢] الزخرف : ٢٣ .
[٣] الأحزاب : ٢٣ .