موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٦ - إعلان المأمون تفضيل علي عليه السلام
وخبروني : عن قول اللََّه عزّوجل : «قُلْ لِمَنْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ قُلْ لِلََّهِ » [١] أصدق هذا أم كذب ؟ قالوا : صدق ، قال : أفليس ما سوى اللََّه للََّهإذ كان مُحِدثَه ومالِكَه ؟ قالوا : بلى . قال : وفي هذا بطلان ما أثبت من اختياركم خليفة وتسمونه خليفة رسول اللََّه وأنتم استخلفتموه وتفترضون طاعته ، وهو معزول منكم إذا غضبتم عليه وعمل بخلافكم ، وإذا أبى الاعتزال فهو مقتول .
ويلكم لا تفتروا على اللََّه كذباً فتلقوا غداً وبال ذلك إذا قمتم بين يدي اللََّه تعالى ووردتم على رسول اللََّه وقد كذبتم عليه متعمدين وقد قال : « من كذب علي متعمداً فليتبوّأ معقده من النار » .
ثمّ استقبل المأمون القبلة ورفع يديه وقال : اللهم إني قد أرشدتهم ! اللهم إني قد أخرجت إليهم ما وجب عليَّ إخراجه من عنقي ! اللهم إني لم أدَعهم في ريب ولا شك . اللهم إني أدين بالتقرب إليك بتقديم عليّ على الخلق بعد نبيّك محمد كما أمرَنا به رسول اللََّه صلى الله عليه و آله .
قال ( الراوي : يحيى بن أكثم ؟ أو بل إسحاق بن حماد بن زيد الأزدي ؟ ) :
ثمّ افترقنا ، فلم نجتمع بعد ذلك حتى قبض المأمون [٢] .
[١] الأنعام : ١٢ .
[٢] عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢ : ١٨٤ - ١٩٩ \١٥ صفحة ! ثمّ قال الصدوق : قال ( الراوي ) : محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري : وفي حديث آخر ( أي في رواية أُخرى عن إسحاق بن حماد الأزدي ) قال : فسكت القوم . فقال لهم : لم سكتّم ؟ قالوا : لا ندري ما نقول ؟ قال : هذه حجة تكفيني عليكم ! ثمّ أمر بإخراجهم . قال : فخرجنا متحيّرين خجلين ! قال : ثمّ نظر المأمون إلى الفضل بن سهل فقال : هذا أقصى ما عند القوم ! فلا يظنّ ظان أنّ جلالتي منعتهم من النقض عليَّ ، واللََّه الموفّق للخيرات .
هذا وقد قدّم الصدوق لهذا الخبر الطويل خبراً آخر قصيراً عن الراوي نفسه إسحاق بن حماد بن زيد الأزدي البغدادي ( القاضي ) قال : كان المأمون يعقد مجالس للنظر ويجمع المخالفين لأهل البيت عليهم السلام فيكلمهم في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وتفضيله على جميع الصحابة ، تقرّباً إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام وكان الرضا عليه السلام يقول لمن يثق به من أصحابه : لا تغترّوا منه بقوله ، فما يقتلني - واللََّه - غيره ! ولكنه لابد لي من الصبر حتى يبلغ الكتاب أجله ! ٢ : ١٨٤ - ١٨٥ ثمّ ذكر هذا الخبر الطويل مصداقاً لما مرّ من عقده المجالس وكلامه في الإمامة والتفضيل ! في حين أنّ هذا القول بالتفضيل منذ ذلك الحين ( عام ٢٠٢ هـ ) مع عشرين من المتكلمين وعشرين من المتحدثين لو كان لكانوا يتحدثون به فلا يبقى القول الوحيد والحديث المتسالم عليه في التاريخ والمؤرخين : أن إظهار المأمون القول بالتفضيل كان عام ( ٢١٢ هـ ) قولاً واحداً ! وأيضاً قوله : « فلم نجتمع بعد ذلك حتى قبض المأمون » يدل على أنّ ذلك كان على أواخر عهد المأمون لا في دولة الفضل بن سهل كما ادّعي ذلك !
بل نقل الخبر قبل الصدوق ( م ٣٨١ هـ ) أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسي القرطبي المرواني المالكي ( م ٣٢٨ هـ ) في كتابه العقد الفريد ٥ : ٩٠ - ٩٨ عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن زيد قال : بعث يحيى بن أكثم إليّ وإلى عدّة من أصحابي وقال لنا : إن المأمون أمرني أن أحضر معي غداً أربعين رجلاً كلهم يفقه ما يقال له ويحسن الجواب ، فسمّوا من تظنونه يصلح لما يطلب قال : فسمّينا له عدّة حتى تم العدد الذي أراد ، قال : فدخلنا فإذا المأمون جالس وعليه سواده . ومن هنا يُعلم أنه كان ببغداد بعد خلع الخضرة والعودة إلى السواد .
ـ