موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨١ - المتوكل وعلي بن محمد الهادي عليه السلام
ملحفة من الصوف ، متوجهاً إلى ربّه يترنّم بآيات الوعد والوعيد ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه . فاُخذ على ما وجد عليه وحُمل إلى المتوكل حالاًّ ، فمثل بين يديه ، وكان بيد المتوكل كأس من شراب وقد شرب منه .
فلمّا رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ، وناوله الكأس الذي في يده ! فقال له :
يا أمير المؤمنين ! ما خامر لحمي ودمي قط ! فاعفني منه ! فعافاه عنه ولكنه قال :
فأنشدني شعراً أستحسنه ! فقال له : إني لقليل الرواية للأشعار . قال : لابدّ أن تُنشدني ! فأنشده :
باتوا على قُلل الأجبال تحرسهم # غُلب الرجال ، فما أغنتهم القُلل
واستُنزلوا - بعد عزّ - عن معاقلهم # فاودعوا حفراً ! يا بئسما نزلوا
ناداهم صارخ - من بعد ما قُبروا : # أين الأسرّة والتيجان والحُلل
أين الوجوه التي كانت منعَّمةً # من دونها تُضرب الأستار والكِلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم : # تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا # فأصبحوا بعد طول الأكل قد اُكلوا
وطالما عمّروا دوراً لتحصنهم # ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادّخروا # فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت منازلهم قفراً معطّلة # وساكنوها إلىالأجداث قد رحلوا
فأشفق من حضر وظنّوا أن بادرة تبدر من المتوكل إلى علي عليه السلام ولكنّه بكى فبكى من حضر ، وأمر برفع الشراب !
ثمّ التفت إلى أبي الحسن وقال له : أعليك دَين ؟ قال : نعم ، أربعة آلاف دينار ! فأمر بها إليه وردّه إلى منزله مكرّماً [١] !
[١] مروج الذهب ٤ : ١٠ - ١٢ ، وعنه في تذكرة الخواص ٢ : ٤٩٦ - ٤٩٨ وبهامشه مصادر عديدة ، وشهادة المعصومين وبهامشه بعض المصادر الأُخرى ، والمسعودي عن المبرّد أقدم مصدر ، وفي ابن الوردي ١ : ٢٢٣ .