موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧ - حوادث بغداد والكوفة
وكانت تُسأل كثيراً عن أمر الرضا عليه السلام فتقول : ما أذكر منه شيئاً إلّاأني كنت أراه إذا صلّى الغداة ( الفجر ) في أول الوقت سجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشمس ، ثمّ يقوم ، ثمّ يركب ( فيخرج ) أو يجلس للناس . وكان يتبخّر بالعود الهندي السنيّ ( الطيب ) ويستعمل هو مسكاً أو ماء ورد . ولم يكن أحد يقدر أن يرفع صوته في داره كائناً من كان وإنّما يتكلم الناس همساً أو قليلاً .
قالت : ثمّ وهبني لجدك عبد اللََّه بن العباس الصولي . قال محمّد بن يحيى الصولي : كان جدي عبد اللََّه يوم وهُبت له دبّرها ، وكان يتبرك بها . وكانت جدتي هذه أتم امرأة عقلاً وسخاءً ، حتّى توفيت ولها مئة سنة ، عام ( ٢٧٠ هـ ) [١] .
ولعلّه عليه السلام حين وهبها للصولي بعث المأمون إليه جارية أُخرى ، فلمّا اُدخلت إليه وكان الرضا عليه السلام في ما بعد الخمسين من عمره وقد شاب شعره ، فلمّا رأت ذلك اشمأزّت من شيبه ، ورأى كراهيتها ، فردّها إلى المأمون ، وكتب إليه بالأبيات التالية :
نعى نفسي إلى نفسي المشيب # وعند الشيب يتّعظ اللبيب
فقد ولّى الشباب إلى مداه # فلست أرى مواضعه تؤوب
سأبكيه وأندبه طويلاً # وادعوه إليّ ، عسى يجيب
وهيهات الذي قد فات مني # تمنّيني به النفس الكذوب
وراعَ الغانياتِ بياضُ رأسي # ومن مُدّ البقاء له يشيب
أرى البيض الحِسان يحِدن عنّي # وفي هجرانهن لنا نصيب
فإن يكن الشباب مضى حبيباً # فإنّ الشيب لي أيضاً حبيب
سأصحبه بتقوى اللََّه حتّى # يفرّق بيننا الأجل القريب [٢] !
ومع عدم بقاء الجاريتين عند الرضا عليه السلام لم يفكر المأمون في إحضار عائلة الرضا من المدينة ، ذلك أ نّه كان يريد من الجاريتين أن تكونا عينيه على الرضا عليه السلام ، فلمّا لم يُبقهنّ عنده عرض عليه ابنته أُم حبيب ، كما سيأتي [١] .
حوادث بغداد والكوفة :
يؤرّخ الطبري لبيعة ولاية العهد يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ( ٢٠١ هـ ) [٢] ثمّ يؤرّخ وصول الكتاب بذلك من الحسن بن سهل إلى قائده في بغداد عيسى بن محمّد بن أبي خالد ، يأمره بأخذ البيعة ولُبس الخضرة ، يؤرّخه بيوم الثلاثاء ( ٢٥ ذي الحجة ٢٠١ هـ ) قال : وفيه أظهر العباسيون ببغداد : أنهم قد خلعوا المأمون وقد بايعوا بالخلافة إبراهيم بن المهدي العباسي ، وأنهم يعطون كل من يبايع له عشرة دنانير لأول يوم من المحرم أول يوم من السنة المقبلة [٣] .
وفي اليعقوبي : لخمس ليال خلون من المحرم سنة ( ٢٠٢ هـ ) اجتمع قوّاد الحربية فبايعوا لإبراهيم بن المهدي المعروف بأُمه شِكلة ، ودعوا له بالخلافة ، وسمّوه بالمرضيّ ( في مقابل الرضا عليه السلام ) وصلّى بهم في المسجد الجامع ببغداد ، وصار معه قائد الحسن بن سهل : عيسى بن محمّد بن أبي خالد ، والفضل بن الربيع وسعيد بن الساجور وأبو البط ، وعسكروا في كلواذى . وكتب بالولايات ، وعقد الألوية ، واستقامت له الأُمور ، وأطاعه الأبناء وأهل الحربية وما والاها إلّامن بقي في طاعة المأمون . وكان إبراهيم أسود شديد السواد وبنصف وجهه شامة فهو سمج المنظر ! ولذا كانوا يدعونه بالعنقود !
[١] في الصفحة : ٧٥ .
[٢] تاريخ الطبري ٧ : ٥٥٤ .
[٣] تاريخ الطبري ٧ : ٥٥٥ .