موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٠ - مناظرة الرضا مع الهِربد الأكبر وعمران الصابي
يا عمران ؛ واعلم أ نّه لو كان خلق ما خلق لحاجة ؛ لم يخلق إلّامن يستعين به على حاجته ، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق ؛ لأنّ الأعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى . والحاجة - يا عمران - لا يسعها ، لأنه كان لم يحدث من الخلق شيئاً إلّاحدثت فيه حاجة أُخرى . ولذلك أقول : لم يخلق الخلق لحاجة .
ولكن بالخلق نقل حوائج بعضهم إلى بعض ، وفضّل بعضهم على بعض ، بلا حاجة منه إلى مَن فضّل ، ولا نقمة منه على من أذلّ . فلهذا خلق .
فقال عمران : يا سيدي ، فأخبرني بأيّ شيء علِم ما علِم ؟ أبضمير أم بغير ذلك ؟
قال الرضا عليه السلام : أرأيت إذا علم بضمير ، هل تجد بُدّاً من أن تجعل لذلك الضمير حداً تنتهى المعرفة إليه ؟
قال عمران : لابدّ من ذلك . قال الرضا عليه السلام : فما ذلك الضمير ؟! فانقطع ولم يَحر جواباً . فقال الرضا عليه السلام : إن سألتك عن الضمير نفسه تعرّفه بضمير آخر ؛ فإن قلت : نعم ، أفسدت عليك دعواك وقولك .
يا عمران ؛ أليس ينبغي أن تعلم أنّ الواحد لا يوصف بضمير ، ولا يقال له أكثر من : فعل وعمل وصنع ، ولا يتوهم فيه تجزية ( أو تجربة ) ومذاهب كمذاهب المخلوقين وتجزيتهم ( أو : تجربتهم ) فاعقل ذلك ، وما علمته صواباً فابن عليه .
قال عمران : يا سيدي ، ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي ؟ وما معانيها ؟ وعلى كم نوع يكون ؟
قال : اعلم أنّ حدود خلقه على ستة أنواع: ملموس وموزون ومنظور إليه، وما لا ذوق له وهو الروح ! ومنها : ما هو منظور إليه وليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون ولا ذوق ، والتقدير ، والأعراض ، والصور ، والطول والعرض . ومنها : العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعملها وتغيّرها من حال إلى حال وتزيدها وتنقصها .