موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٨ - توحيده وتحذيره عن الغلوّ
يا فتح ؛ عسى الشيطان أراد اللبس عليك فأوهمك في بعض ما أودعتُك ! وشكّك في بعض ما أنبأتك ، حين أراد إزالتك عن طريق اللََّه وصراطه المستقيم ، فقلتَ ( في نفسك ) : متى أيقنت أنهم كذا فهم أرباب ! معاذ اللََّه ! إنّهم مخلوقون مربوبون ، مطيعون للََّه، داخرون راغبون . فإذا جاءك الشيطان من قبيل ما جاءك به فاقمعه بما أنبأتك به .
قال فتح الجرجاني : جُعلت فداك ( لقد ) فرّجت عني وكشفت بشرحك ما لبّس الملعون عليَّ ، فقد كان أوقع في خَلَدي : أنكم أرباب ! فسجد أبو الحسن وقال في سجوده : يا خالقي راغماً لك داخراً خاضعاً ! ثمّ رفع رأسه وقال لي : يا فتح ؛ ( لقد ) كِدت أن تهلك وتُهلك ! ثمّ استدرك فقال لي : وما ضرّ عيسى إذا هلك من هلك ؟! ثمّ قال لي : إذا شئت رحمك اللََّه . ( يعني انصرف ) ، فخرجت من عنده .
فلمّا كان في آخر منزل ( بل بغداد حيث ينفصل الراوي الجرجاني إلى جرجان ) دخلت عليه ، فإذا بين يديه حنطة مقلوّة وهو متكئ ويعبث بها ( بأنامله ) وكان ممّا أوقع الشيطان في خلدي : أنّ الأكل والشرب آفة ، والإمام غير مؤوف فلا ينبغي لهم أن يأكلوا ويشربوا !
فلمّا رآني قال لي : يا فتح ، اِجلس ، إنّ لنا اُسوة بالرسل ، وهم كانوا يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق ، وكل جسم مغذوّ بغذاء إلّاالخالق الرازق ، فهو جسّم الأجسام ، فهو لا يجُسّم ولا يجزّأ بتناهٍ ، ولا يتزايد ولا يتناقص ، مبرّأ من ذاته عمّا ركّب في ذوات الأجسام . الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد . مُنشئ الأشياء ، مجسّم الأجسام ، وهو السميع العليم ، واللطيف الخبير ، والرؤوف الرحيم . تبارك وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً ! ولو كان كما وصفوه لم يُعرف الربّ من المربوب . ولا الخالق من المخلوق ، ولا المنشئ من المُنشأ ، ولكنّه فرّق بينه وبين من جسّمه ، وشيّأ الأشياء ، فهو لا يشبهه شيء يُرى ، ولا يُشبه هو شيئاً .