منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٤٧٤ - (حرف الكاف)
١٧٩- «كلّموا النّاس .. بما يعرفون، و دعوا ما ينكرون».
فائدة: قال الرّاغب: لما احتاج النّاس بعضهم لبعض سخّر كلّ واحد منهم لصناعة ما يتعاطاه، و جعل بين طبائعهم و صنائعهم مناسبات خفيّة و اتّفاقات سماويّة؛ ليؤثر الواحد بعد الواحد حرفة ينشرح صدره بملابستها، و تطيعه قواه لمزاولتها، فإذا جعل إليه صناعة أخرى ربّما وجده مستبلدا فيها، متبرّما منها، سخّرهم اللّه لذلك؛ لئلّا يختاروا كلهم صناعة واحدة، فتبطل الأقوات و المعاونات، و لو لا ذلك ما اختاروا من الأسماء إلّا أحسنها، و من البلاد إلا أطيبها، و من الصّناعات إلا أجملها، و من الأفعال إلّا أرفعها، و لتنازعوا فيه، لكنّ اللّه بحكمته جعل كلّا منهم في ذلك مخيّرا.
فالنّاس؛ إمّا راض بصنعته لا يبغي عنها حولا؛ كالحائك الّذي رضي بصناعته و يعيب الحجّام الّذي يرضى بصناعته، و بذلك انتظم أمرهم و كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) [المؤمنون]. و إمّا كاره لها يكابدها مع كراهته إيّاها، كأنّه لا يجد عنها بدلا. و على ذلك دلّ هذا الحديث: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [٣٢/ الزخرف].
فالتّباين و التّفرق و الاختلاف سبب الالتئام و الاجتماع و الاتّفاق، فسبحان اللّه ما أحسن صنعه!. انتهى مناوي على «الجامع».
و الحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد، و الشّيخين: البخاري و مسلم، و أبي داود؛ عن عمران بن حصين.
و التّرمذي؛ عن عمر بن الخطّاب.
و الإمام أحمد؛ عن أبي بكر الصّدّيق (رضي الله تعالى عنهم). أجمعين.
١٧٩- ( «كلّموا النّاس بما يعرفون)؛ أي: بما يفهمونه و تدركه عقولهم، لأنّ العقول لا تحتمل إلّا على قدر طاقتها، فلها حد محدود لا تتعدّاه، و شرّ العلم الغريب؛ (و دعوا ما ينكرون»)؛ أي: ما يشتبه عليهم فهمه؛ لأنّ السّامع لما لا يفهمه قد يعتقد استحالته جهلا؛ فلا يصدق بوجوده.