منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٦٢ - (حرف الهمزة)
أن تعبد اللّه كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه .. فإنّه يراك».
فلمّا كثر تكرّره و عظم ثوابه سأل عنه جبريل ليعلمهم بعظم ثوابه و كمال رفعته، و هو مصدر «أحسنت كذا»، و «و في كذا» إذا أحسنته و كمّلته؛ متعديا بهمزة، من حسن كذا، و بحرف الجر ك «أحسنت إليه» إذا فعلت معه ما يحسن فعله، و المراد هنا الأول إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات بأدائها على وجهها المأمور به مع رعاية حقوق اللّه تعالى فيها و مراقبته و استحضار عظمته و جلاله! ابتداء و استمرارا.
و هو على قسمين:
أحدهما غالب عليه مشاهدة الحقّ كما قال صلى اللّه عليه و سلم:
(أن تعبد اللّه) من عبد: أطاع، و التعبّد: التنسّك، و العبودية: الخضوع و الذّلّ. (كأنّك تراه). و هذا من جوامع الكلم لأنّه جمع مع و جازته بيان مراقبة العبد ربّه في إتمام الخضوع و الخشوع و غيرهما في جميع الأحوال، و الإخلاص له في جميع الأعمال، و الحثّ عليهما مع بيان سببهما الحامل عليهما لملاحظة أنّه لو قدّر أنّ أحدا قام في عبادة و هو يعاين ربّه تعالى لم يترك شيئا ممّا يقدر عليه من الخضوع و الخشوع و حسن الصّمت و اجتماعه بظاهره و باطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها.
و الثاني: من لا ينتهي إلى تلك الحالة لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه و تعالى مطّلع عليه و مشاهد له و قد بيّنه صلى اللّه عليه و سلّم بقوله: (فإن لم تكن تراه! فإنّه يراك») مشيرا إلى أنّه ينبغي للعبد أن يكون حاله مع فرض عدم عيانه لربه تعالى كهو مع عيانه؛ لأنّه تعالى مطّلع عليه في الحالين؛ إذ هو قائم على كلّ نفس بما كسبت، مشاهد لكلّ أحد من خلقه في حركته و سكونه؛ فكما أنّه لا يقدم على تقصير في الحال الأول؛ كذلك لا ينبغي له أن يقدم عليه في الحال الثاني، لما تقرر من استوائهما بالنسبة إلى اطّلاع اللّه تعالى و علمه و شهود عظيم كماله، و باهر جلاله.