منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٧ - الفصل الأوّل في صفة عبادته
و في «صحيح البخاريّ»: «إنّي لأعلمكم باللّه، و أشدّكم له خشية».
عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم إذا أمرهم؛ أمرهم من الأعمال بما يطيقون؛ قالوا: إنّا لسنا كهيئتك؛ يا رسول اللّه، إنّ اللّه قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر!! فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه. ثم يقول:
«إنّ أتقاكم و أعلمكم باللّه أنا».
و لفظ ترجمة البخاري لأبي ذرّ: «أنا أعرفكم باللّه» و كأنه مذكور بالمعنى؛ بناء على ترادفهما.
(و في «صحيح) الإمام (البخاريّ») في «كتاب الأدب»، و في «كتاب الاعتصام»؛ عن مسروق قال: قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): صنع النبي صلى اللّه عليه و سلّم شيئا ترخّص فيه، فتنزّه عنه قوم!! فبلغ ذلك النبيّ صلى اللّه عليه و سلّم، فحمد اللّه، ثم قال:
«ما بال أقوام يتنزّهون عن الشّيء أصنعه!! فو اللّه؛ (إنّي لأعلمكم)- أي: أكثركم علما- (باللّه) هذا ظاهر في أنّ العلم باللّه درجات، و أنّ بعض الناس فيه أفضل من بعض، و أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم منه في أعلى الدرجات، و العلم باللّه يتناول ما بصفاته؛ و ما بأحكامه، و ما يتعلّق بذلك، فهذا هو الإيمان حقا. (و أشدّكم)- لفظ البخاري: «إنّي لأعلمهم باللّه و أشدّهم- (له خشية)، لأن اللّه سبحانه جمع له بين علم اليقين و عين اليقين؛ مع الخشية القلبيّة و استحضار العظمة الإلهية؛ على وجه لم يجتمع لغيره. و كلما ازداد علم العبد بربّه ازداد تقواه و خوفه منه، و من عرف اللّه صفا له العيش، و هابه كلّ شيء.
فمعناه: ما أنا عليه من العلم و الخشية أوفر و أكثر من علمكم و خشيتكم؛ ذكره القاضي عياض.
و قال القرطبي: إنّما كان كذلك!! لما خصّ به في أصل خلقته؛ من كمال الفطنة، و جودة القريحة، و سداد النظر، و سرعة الإدراك، و لما رفع عنه من موانع الإدراك، و قواطع النظر قبل تمامه. و من اجتمعت هذه الأمور [فيه] سهّل اللّه عليه الوصول إلى العلوم النظرية، و صارت في حقّه كالضروريّة.