منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٤٧٩ - (حرف الكاف)
أو عابر سبيل، و عدّ نفسك من أهل القبور».
حاجة، فهو إمّا غريب أو عابر سبيل، فحقّه أن يبادر لقضائها ثمّ يعود إلى وطنه.
و هذا أصل عظيم في قصر الأمل، و أن لا يتّخذ الدّنيا وطنا و مسكنا، بل يكون فيها على جناح سفر مهيّأ للرّحيل، و قد اتفقت على ذلك وصايا جميع الأمم.
و فيه حثّ على الزّهد و الإعراض عن الدّنيا، و الغريب المجتهد في الوصول إلى وطنه لا بدّ له من مركب؛ و زاد؛ و رفقاء؛ و طريق يسلكها.
فالمركب: نفسه، و لا بد من رياضة المركوب ليستقيم للرّاكب، و الزّاد:
التقوى، و الرّفقاء: الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين و الصّدّيقين و [الطريق:] الصّراط المستقيم، و إذا سلك الطّريق لم يزل خائفا من القطّاع؛ «إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه و بينها إلّا ذراع». انتهى مناوي على «الجامع».
(أو) بل (عابر سبيل) طريق قال الطّيبي: ليست «أو» للشّكّ و لا للتّخيير و الإباحة، و الأحسن أن تكون بمعنى «بل».
فشبّه النّاسك السّالك بالغريب الّذي لا مسكن له يؤويه، ثمّ ترقى و أضرب عنه إلى عابر السّبيل لأنّ الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السّبيل، القاصد لبلد شاسع، و بينهما أودية مردية و مفاوز مهلكة و قطاع طريق! فإنّ من شأنه أن لا يقيم لحظة، و لا يسكن لمحة، و من ثمّ عقّبه بقوله: (و عدّ نفسك من أهل القبور»)؛ أي: استمرّ سائرا و لا تفتر، فإنّك إن فترت انقطعت و هلكت في تلك الأودية، فلا تتنافس في عمارة الدّور فعل المستوطن المغرور؛ فيأتيك الموت من غير استعداد، و تقدم على سفر آخرة بغير زاد.
و الحديث أخرجه البيهقي في «الشّعب»، و العسكري؛ من حديث ابن عمر بن الخطّاب مرفوعا في جملة حديث.
و أخرجه البخاري في «صحيحه»؛ «كتاب الرّقاق»؛ عن ابن عمر قال: أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم بمنكبي فقال: «كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل».