منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٧٩ - (حرف الهمزة)
و لا تخن من خانك».
فليست الأمانة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء؛ من أنّها الوديعة التي لم يضمنها ذو اليد إذا لم يقصر.
و قال النووي: الظاهر أن المراد بالأمانة: التكليف الذي كلّف اللّه به عباده، و العهد الذي أخذه اللّه عليهم، و هي التي في قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ [٧٢/ الأحزاب] ... الآية.
و في «النهاية» الأمانة: تقع على الطاعة و العبادة و الوديعة و الثقة و الأمان.
و قال الفخر الرازيّ: قيل: هي التكليف، سمّي أمانة!! لأنّ من قصّر فعليه الغرامة، و من وفّى فله الكرامة. و قيل: هي لا إله إلّا اللّه، و هو بعيد. فالأكوان ناطقة بأن اللّه واحد. و قيل: هي الأعضاء، فالعين أمانة ينبغي حفظها، و الأذن كذلك، و بقيّة الأعضاء. و قيل: هي معرفة اللّه تعالى.
و لما كانت النفوس نزّاعة إلى الخيانة روّاغة عند مضائق الأمانة، و ربّما تأوّلت جوازها مع من لم يلتزمها أعقبه بقوله:
(و لا تخن من خانك»)؛ أي: لا تعامله بمعاملته، و لا تقابل خيانته بخيانتك؛ فتكون مثله، و ليس منها ما يأخذه الإنسان من مال من جحده حقّه إذ لا تعدّي فيه. أو المراد: إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته، و إن كان حسنا؛ أي: جائزا، بل قابله بالأحسن الذي هو العفو، و ادفع بالّتي هي أحسن، و هذا- كما قاله الطيبي- أحسن.
و هذه مسألة تتكرّر على ألسنة الفقهاء و لهم فيها أقوال؛
الأول: لا تخن من خانك مطلقا، و هذا ظاهر الحديث.
الثاني: خن من خانك! قاله الشافعي، و هو مشهور مذهب مالك!!
و أجابوا عن هذا الحديث بأنّه لم يثبت، أو المعنى: لا تأخذ منه أزيد من حقك، أو هو إرشاد إلى الأكمل كما مرّ، و احتجّوا بقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ