منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ١٤٥ - الفصل الأوّل في أخبار شتّى من أحواله
أهل بيته كذب كذبة .. لم يزل معرضا عنه حتّى يحدث توبة.
أهل بيته)، أي: من عياله و خدمه (كذب كذبة) واحدة- بفتح الكاف و كسرها و الذال ساكنة فيهما- (لم يزل معرضا عنه)؛ إظهارا لكراهته الكذب، و تأديبا له، و زجرا عن العود لمثلها (حتّى يحدث توبة) من تلك الكذبة الواحدة التي كذبها، و ذلك لشدّة بغضه صلى اللّه عليه و سلم الكذب، لما يترتّب عليه من المفاسد، و إن كان نحو الزّنا أشدّ منه.
و في رواية البزار: ما كان خلق أبغض إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم من الكذب! و لقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما يزال في نفسه حتّى يعلم أنّه أحدث منها توبة.
و قبح الكذب مشهور معروف، إذ ترك الفواحش بتركه، و فعلها بفعله فموضعه من القبح كموضع الصدق من الحسن، و لهذا أجمع على حرمته إلّا لضرورة؛ أو مصلحة.
قال الغزالي: و هو من أمّهات الكبائر. قال: و إذا عرف الإنسان بالكذب؛ سقطت الثقة بقوله، و ازدرته العيون، و احتقرته النفوس. و إذا أردت أن تعرف قبح الكذب؛ فانظر إلى قبح كذب غيرك، و نفور نفسك عنه، و استحقارك لصاحبه، و استقباحك ما جاء به. قال: و من الكذب الذي لا إثم فيه ما اعتيد في المبالغة ك «جئت ألف مرّة» فلا يأثم؛ و إن لم يبلغ ألفا.
قال: و مما يعتاد الكذب فيه و يتساهل فيه أن يقال «كل الطعام» فيقول «لا أشتهيه». و ذلك منهيّ عنه. و هو حرام؛ إن لم يكن فيه غرض صحيح.
و قال الراغب: الكذب عار لازم، و ذلّ دائم، و حقّ الإنسان أن يتعوّد الصدق، و لا يترخّص في أدنى الكذب، فمن استحلاه عسر عليه فطامه.
و قال بعض الحكماء: كلّ ذنب يرجى تركه بتوبة إلّا الكذب، فكم رأينا شارب خمر أقلع، و لصّا نزع؛ و لم نر كذّابا رجع.
و عوتب كذّاب في كذبه؛ فقال: لو تغرغرت به و تطعّمت حلاوته ما صبرت عنه طرفة عين. ذكره المناوي في شرح «الجامع الصغير».