جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨٨ - النوع العاشر الكافر
نعم، لو كان المنكر [جديد الإسلام أو] بعيداً عن بلاد الإسلام بحيث يمكن في حقّه خفاء الضرورة لم يحكم بكفره بمجرّد ذلك (١).
أمّا لو أصرّ بعد الظهور و الاطّلاع و إن كان لشبهة ألجأته إليه حكم بكفره (٢).
فالحاصل: أنّه متى كان الحكم المنكَر في حدّ ذاته ضروريّاً من ضروريّات الدين ثبت الكفر بإنكاره ممّن اطّلع على ضروريّته عند أهل الدين، سواءً كان ذلك الإنكار لساناً خاصّةً عناداً، أو لساناً و جناناً.
و منه يظهر الفرق حينئذٍ بين الضروري و غيره من القطعي كالمجمع عليه و نحوه، فإنّه لا يثبت الكفر بالثاني إلّا مع حصول العلم ثمّ الإنكار، بخلافه في الضروري فيثبت و إن لم يكن إنكاره كذلك (٣).
و كيف كان، فلا كلام في نجاسة ما في المتن من الفرقتين [أي الخوارج و الغلاة] (٤).
(١) و لعلّه ينزّل عليه التقييد السابق في كشف اللثام، فلا ينافي ما ذكرنا [من تسبيب إنكار الضروري بنفسه للكفر].
كما أنّه يحتمل تنزيل ما تقدّم من مجمع البرهان على إرادة لزوم إنكار الضروري لإنكار الشريعة في نفسه و حدّ ذاته و إن لم يكن عند المنكر، فلا ينافيه [ما ذكرنا] أيضاً و إن كان احتمال ذلك في كلامه بعيداً، بل ممتنعاً.
(٢) لعدم معذوريّته، و ظهور تقصيره في دفع تلك الشبهة، كمن أنكر النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) مثلًا لشبهة.
(٣) و قد يؤيّد ذلك كلّه ما حكاه شيخنا في مفتاح الكرامة، قال: «و هنا كلام في أنّ جحود الضروري كفر في نفسه، أو لأنّه يكشف عن إنكاره النبوّة مثلًا؟ ظاهرهم الأوّل، و احتمل الاستاذ الثاني» قال: «فعليه لو احتمل وقوع الشبهة عليه لم يحكم بكفره، إلّا أنّ الخروج عن مذاق الأصحاب ممّا لا ينبغي» [١] انتهى.
قلت: و هذا من استاذه اعتراف بما ذكرناه من مراد الأصحاب، حتى أنّه ذكر ما ينافيه بصورة الاحتمال، ثمّ كرّ عنه. و يؤيّده قرائن كثيرة تشهد على إرادتهم ذلك لا يسع المقام تعدادها، خصوصاً مع ملاحظة باب الحدود.
٦/ ٥٠/ ٨٠
ففي القواعد هناك: أنّه «يحصل الارتداد إمّا بالفعل، و إمّا بالقول كاللفظ الدالّ بصريحه على جحد ما علم ثبوته من دين الإسلام ضرورة، و على اعتقاد ما يحرم اعتقاده بالضرورة من دين محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، سواءً كان القول عناداً أو اعتقاداً أو استهزاءً» [٢].
إلّا أنّا قد بلينا في عصرنا هذا في بلدنا هذه بمن يدّعي القطع و اليقين بأنّ مراد الأصحاب ذلك الاحتمال [أي الذي يكشف عن إنكار الدين و النبوّة] بحيث لا يسمع كلاماً من أحد و لا رشداً ممّن أرشد، و لو أنّ ذلك كان منه بعد التأمّل و النظر لكان حقيقاً بأن يعذر، و اللّٰه أعلم.
(٤) كما في جامع المقاصد و عن الدلائل [٣]، بل عن الأخير و الروض الإجماع عليهما [٤]، و هو كذلك.
[١] مفتاح الكرامة ١: ١٤٣.
[٢] القواعد ٣: ٥٧٣.
[٣] جامع المقاصد ١: ١٦٤. نقله عن الدلائل في مفتاح الكرامة ١: ١٤٤.
[٤] الروض ١: ٤٣٧.