جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٠٤ - التعدّد في غير البول
فالأقوى حينئذٍ عدم اعتبار العدد في غير البول من النجاسات في سائر المتنجّسات، إلّا الولوغ و خصوص الأواني على ما ستعرف حكمهما إن شاء اللّٰه، من غير فرق في ذلك بين ما ثبت نجاسته من أوامر الغسل و نحوها التي يتمسّك بإطلاقها في الاجتزاء بالمرّة و بين ما ثبت نجاسته بالإجماع و نحوه (١).
(١) و إن تردّد فيه بعض متأخّري المتأخّرين [١]؛ للاستصحاب السالم عن معارضة إطلاق الأمر بالغسل و نحوه، كما هو المفروض؛ إذ قد عرفت أنّه- مع تسليم وجود الفرض المذكور [أي فرض عدم المعارض للاستصحاب] و أنّه لا تكفي عمومات مطهّرية الماء- إنّما يتمّ [الاكتفاء بالمرّة] بالإجماع المركّب المحكيّ ظاهراً في الذخيرة ٢ الذي يشهد له التتبّع، بل يمكن تحصيله على عدم الفرق بين النجاسات بذلك، و به ينقطع الاستصحاب حينئذٍ. مع إمكان منعه [الاستصحاب] في نفسه: ١- إمّا بناءً على عدم حجّيته في نحوه ممّا كان معلّقاً على غاية غير معلومة للمكلّف، فيتمسّك حينئذٍ بأصالة براءة الذمّة عن استعماله بعد الغسلة الواحدة، و عن وجوب غسلة ثانية بعدها؛ للشكّ في أصل الشغل بها، كمن تنجّست يده مثلًا بنجاسة لا يعلمها أنّها بول فيجب فيه مرّتان، أو غيره فيجب مرّة؛ فإنّه لا يجب عليه أزيد من مرّة، و كالشكّ في كون الصادر منه موجباً للقضاء و الكفّارة، أو للقضاء وحده. و احتمال الفرق بين مشتبه الحكم و الموضوع [في جريان الاستصحاب] ممنوع، كاحتمال الفرق بين أسباب النجاسة و غيرها من أفراد قاعدة الشكّ بين الأقل و الأكثر التي منها ما لو شكّ في شغل ذمّته لزيد بعشرة دراهم أو أزيد، المعلوم جريان أصل البراءة في مثله، كمعلوميّة منع دعوى بطلان ذلك [جريان البراءة في الفرض] باستصحاب الشغل إجمالًا قياساً على من علم شغل ذمّته بقدر خاصّ ثمّ شكّ في أدائه تماماً أو بعضه؛ لوضوح الفرق بين المقامين. ٢- و إمّا بناءً على عدم استصحاب حكم الإجماع؛ لارتفاعه بعد تحقّقها [الغسل مرّة]. و إن كانا معاً لا يخلوان من نظر: أمّا الأوّل، فلأنّ صفة الطهارة و ما يحصل به الطهارة أمر شرعي لا يمكن حصوله إلّا بتوقيف من الشارع، و أصالة البراءة لا تستقل بإثباته قطعاً، فلا يمكن الحكم بحصول وصف الطهارة شرعاً لمتنجّس قد اشتبه موضوع ما تنجّس به أو حكمه بمجرّد غسلة واحدة لأصالة براءة الذمّة عن الزائد.
و ما عساه يقال: إنّه يثبت طهارته بعموم الأدلّة على طهارة كلّ ما لم يعلم نجاسته، فإنّه بالغسلة الواحدة لم يعلم كونه طاهراً شرعاً أو نجساً، يدفعه: إمكان منع عموم أدلّة على ذلك؛ إذ أقصى ما يستفاد منه الحكم بطهارة الذي لم يعلم عروض التنجيس له، أو الشيء لم يعلم لحوق وصف النجاسة له ابتداءً كالموضوعات المجهولة الحكم. أمّا ما ثبت نجاسته و لو في الجملة- كما في الفرض- فنمنع وجود عموم يدلّ على طهارته بمجرّد عدم العلم ببقاء وصف النجاسة له. نعم قد يقال: إنّه بناءً على ما ذكرت لا يكون محكوماً بطهارته و لا نجاسته، كالإناء المشتبه بالنجس، فلا ينجس به الطاهر، و لا يكتفى به في امتثال ما علم اشتراطه بالطهارة، دون ما كانت النجاسة مانعة منه. و لعلّنا نلتزمه [عدم كونه طاهراً و لا نجساً] أو نرتكب تخلّصاً آخر عن أصل البحث، بأن ندّعي الفرق بين ما كان من قبيل الصفات كالنجاسة و الطهارة و نحوهما و إن كانت تترتّب عليها تكاليف، و بين ما كان من قبيل التكليف المحض كمثال القضاء و الكفّارة، فيتمسّك باستصحاب بقاء الوصف في الأوّل و إن جهل حكم سببه أو موضوع سببه، بخلاف الثاني فننفيه بالأصل؛ لأنّه تكليف محض. و أمّا الثاني- أي عدم استصحاب حكم الإجماع- فبما بيّناه في الاصول، على أنّه يمكن فرض المقام فيما لا يكون مدركه الإجماع، بل إطلاق دليل بالنجاسة و نحوه، فتأمّل جيّداً، فإنّ المقام من مزالّ الأقدام و كثير الفوائد، و تمام البحث فيه في الاصول.
[١] ١، ٢ الذخيرة: ١٦٣.