جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٩٥ - النوع الرابع الميتة
..........
على أنّ المانع هنا [في جلود الميتة] من تمام الانتفاعات ليس إلّا النجاسة إجماعاً منقولًا [١] إن لم يكن محصّلًا، بل ضرورة، مضافاً إلى عدم قائل بالفصل؛ إذ ابن الجنيد يجوّز جميع الانتفاعات بعد الدبغ عدا الصلاة [٢].
و أمّا دعواه كثرة الأخبار بجواز الانتفاع، ففيه: أنّا لم نعثر إلّا على مرسل الصدوق [٣]، و هو- مع عدم ذكر الدبغ فيه- قد عرفت ما فيه.
و خبر الحسين بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) عن جلد شاة ميتة يدبغ فيصبّ فيه اللبن و الماء فأشرب منه و أتوضّأ؟ قال: «نعم، و قال: يدبغ فينتفع به و لا يصلّى فيه» [٤].
و هو- مع الغضّ عن سنده و موافقته للعامّة- قاصر عن معارضة ما تقدّم من وجوه حتى المطلق منها.
و خبر الصيقل قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام): إنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فيصيب ثيابي فاصلّي فيها؟ فكتب إليَّ: «اتّخذ ثوباً لصلاتك»، فكتبت إلى الجواد (عليه السلام): كنت كتبت إلى أبيك بكذا و كذا فصعب عليَّ ذلك فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشيّة الذكيّة، فكتب إليّ: «كلّ أعمال البرّ بالصبر يرحمك اللّٰه، فإن كان ما تعمل وحشيّاً ذكيّاً فلا بأس» [٥].
و هو- مع الطعن في سنده- محتمل لإرادة غير معلوم التذكية، بل مظنونها؛ لغلبة عدمها في الحمر الأهلية، و إلّا لو اريد الميتة واقعاً لكن مع الدبغ كما يقوله الخصم لم يكن وجه للأمر باتّخاذ الثوب، و لا لاشتراط عدم البأس بالذكاة.
كاحتمال موثّقة سماعة قال: سألته عن جلد الميتة المملوح و هو الكيمخت فرخّص به؟ و قال: «إن لم تمسّه فهو أفضل ...
إلى آخرها» [٦]، خصوصاً بعد ما في خبر ابن أبي حمزة: أنّ رجلًا سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده عن الرجل يتقلّد السيف و يصلّي فيه؟ قال: «نعم، فقال الرجل: إنّ فيه الكيمخت، قال: و ما الكيمخت؟ قال: جلود دواب منه ما كان ذكيّاً، و منه ما يكون ميتة، فقال: ما علمت أنّه ميتة فلا تصلّ فيه» [٧] الحديث؛ إذ هو كالصريح في كون المراد بالكيمخت غير معلوم التذكية.
و كيف كان، فلا ينبغي الإصغاء إلى هذه الخرافات، و لا تضييع العمر في التشكيك في الضروريّات.
و أطرف شيء قوله: «إنّ المطلق يحمل على المقيّد»، مع أنّ في تلك الأدلّة ما لا يصلح لذلك، على أنّه كيف يتخيّل جواز تحكيم مثل هذا المقيّد على مثل ذلك المطلق؟! و لعلّ إطالة البحث في ذلك تضييع للعمر فيما لا ينبغي؛ لما عرفت من ضروريّة الحكم عندنا.
فلا إشكال حينئذٍ في حرمة استعماله فيما كانت الطهارة شرطاً فيه من الأكل و الشرب و نحوهما.
[١] المصدر السابق.
[٢] نقله في المختلف ١: ٥٠١- ٥٠٢.
[٣] الفقيه ١: ١١، ح ١٥. الوسائل ٣: ٤٦٣، ب ٣٤ من النجاسات، ح ٥.
[٤] الوسائل ٢٤: ١٨٦، ب ٣٤ من الأطعمة المحرّمة، ح ٧.
[٥] الوسائل ٣: ٤٦٢، ب ٣٤ من النجاسات، ح ٤.
[٦] الوسائل ٢٤: ١٨٦، ب ٣٤ من الأطعمة المحرّمة، ح ٨.
[٧] الوسائل ٣: ٤٩١، ب ٥٠ من النجاسات، ح ٤.