جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٩٥ - سنن الدفن
..........
و لعلّ ما عن التقي: «من السنّة تعزية أهله ثلاثة أيام و حمل الطعام إليهم» [١] لا يريد به تحديدها بذلك، بل يريد إمّا التأكّد أو التعزية تمام الثلاثة كما فعلته فاطمة (عليها السلام)، أو التكرير و لو من الشخص الواحد، أو نحو ذلك.
نعم، قد يشعر ذكر المأتم ثلاثة فيها كغيرها من الحسن كالصحيح، قال: أوصى أبو جعفر (عليه السلام) بثمانمائة درهم لمأتمه، و كان يرى ذلك من السنّة؛ لأنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «اتخذوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا» [٢] بعدم كراهة الجلوس و الاجتماع للتعزية.
كما عساه يشعر به أيضاً إطعام الطعام عنه، كقول أبي جعفر (عليه السلام): «ينبغي لجيران صاحب المصيبة أن يطعموا عنه الطعام ثلاثة أيام» [٣]. و نحوه؛ من حيث ظهور المأتم و الإطعام عنه بحصول الاجتماع. مضافاً إلى إطلاق الأمر بالتعزّي و التزاور و غيرهما. فما في المبسوط من أنّه يكره الجلوس للتعزية إجماعاً- و تبعه ابن حمزة و المصنّف في ظاهر المعتبر كما عن العلّامة في المختلف [٤]- لا يخلو من ضعف، مع أنّا لم نعرف أحداً ممّن تقدّم نصّ على الكراهة، و لا اشير لها في رواية. و ما يقال من أنّ في ذلك منافاة للرضا بقضاء اللّٰه و الصبر و نحوهما كما ترى: ١- لا وجه له. ٢- و لا اقتضاء فيه.
٣- بل ربّما كان الأمر بالعكس. ٤- و أوامر المأتم تشهد بعدمه أيضاً. ٥- و روى الصدوق: أنّه «أوصى أبو جعفر (عليه السلام) أن يندب في المواسم عشر سنين» [٥]. ٦- و في خبر الكاهلي عن أبي الحسن (عليه السلام): «كان أبي يبعث امّي و امّ فروة تقضيان حقوق أهل المدينة» [٦] إلى غير ذلك. و من هنا أنكر ابن إدريس على الشيخ إجماعه و قال: «إنّه لم يذهب أحد من أصحابنا المصنّفين إلى ذلك، و لا وضعه في كتاب، و إنّما هذا من فروع المخالفين و تخريجاتهم، و أيّ كراهة في جلوس الإنسان للقاء إخوانه و الدعاء و التسليم عليهم، و استجلاب الثواب لهم في لقائه و عزائه؟!» [٧]. و مال إليه جماعة ممّن تأخّر عنه منهم الشهيد في دروسه و ذكراه و بيانه [٨].
و اعترضه المصنّف في المعتبر؛ بأنّ الاجتماع و التزاور من حيث هو مستحبّ، أمّا إذا جعل لهذا الوجه و اعتقد شرعيته فإنّه يفتقر إلى الدلالة، و استدل بالإجماع على كراهيّته؛ إذ لم ينقل عن أحد من الصحابة الجلوس لذلك، فاتخاذه مخالف لسنّة السلف، لكن لا يبلغ أن يكون حراماً [٩]. و فيه: أنّ عدم فعل السلف له لا يقتضي الكراهة. فلعلّه مباح بالنظر إلى خصوصيته، كما لعلّه الأقوى؛ إذ لا رجحان لهذه الهيئة بخصوصها، و إن كان ربّما ترجّح بالعارض، كما أنّه قد تكون مرجوحة، بل قد يصلان إلى حدّ الوجوب و الحرمة، كما في مثل زماننا الآن بحسب الجهات و الاعتبارات، و ذلك أمر خارج عن محلّ النزاع.
[١] الكافي: ٢٤٠.
[٢] الوسائل ٣: ٢٣٨، ب ٦٨ من الدفن، ح ١.
[٣] الوسائل ٣: ٢٣٧، ب ٦٧ من الدفن، ح ٥، و فيه: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)».
[٤] المبسوط ١: ١٨٩. الوسيلة: ٦٩. المعتبر ١: ٣٤٤. المختلف ٢: ٣٢٠.
[٥] الفقيه ١: ١٨٢، ح ٥٤٧. الوسائل ٣: ٢٣٩، ب ٦٩ من الدفن، ح ٢.
[٦] الوسائل ٣: ٢٣٩، ب ٦٩ من الدفن، ح ١.
[٧] السرائر ١: ١٧٣.
[٨] الدروس ١: ١١٦. الذكرى ٢: ٤٥. البيان: ٧٩- ٨٠.
[٩] المعتبر ١: ٣٤٤.