جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥١٧ - سنن التكفين
ثمّ إنّ [- ه] (١) [هل تشرع الجريدة لمن يؤمن عليه من عذاب القبر كالصبيّ و المجنون و غيرهما؟ و القول بالتعميم لذلك حسن] فتأمّل. ثمّ إنّ الأحوط في تحصيل هذا المستحبّ و ترتّب هذه الثمرات العظيمة وضع جريدتين (٢)، بل قد يستشكل في مشروعية واحدة فقط (٣).
(١) [كما هو] ظاهر الصحيح المتقدّم كغيره من الأخبار [١] عدم مشروعية الجريدة لمن يؤمن عليه من عذاب القبر، فلا تشرع للصبيّ و المجنون و غيرهما، لكن نصّ بعض المتاخّرين على استحباب ذلك لكلّ ميّت صبيّ و غيره [٢]، ناسباً له إلى إطلاق الأخبار و الأصحاب. بل في الذكرى: «قال الأصحاب: و يوضع مع جميع أموات المسلمين حتى الصغار؛ لإطلاق الأمر» ٣ انتهى. و ربّما يؤيّده ما رواه في المقنعة و غيرها من أنّ الأصل في مشروعية الجريدة وصية آدم (عليه السلام) ولده بفعل ذلك له، ثمّ فعلته الأنبياء (عليهم السلام) بعده ثمّ اندرس في الجاهلية فأحياه النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم). قال في المقنعة: «و وصّى (صلى الله عليه و آله و سلم) أهل بيته (عليهم السلام) باستعماله، و صار سنّة إلى أن تقوم الساعة» ٤ انتهى؛ إذ لا ريب في تنزيه الأنبياء عن عذاب القبر، فربّما يحمل حينئذٍ ما سمعت على إرادة بيان الحكمة، و هو حسن.
(٢) و من العجيب ما يحكى عن العماني من أنّ المستحبّ [وضع] جريدة واحدة [٥]؛ فإنّه كاد يكون مخالفاً للمتواتر من الأخبار فضلًا عن الإجماع بقسميه.
(٣) من حيث ظهور التثنية في كلام الأصحاب و كثير من الأخبار، سيّما ما ورد [٦] من شقّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الجريدة؛ إذ كأنّه محافظة على التعدّد في مدخلية هيئة الاثنينيّة في ذلك. و ما عساه يقال: إنّه لا ظهور في التثنية في ذلك، بل هي دالّة على كلّ من الفردين على نحو دلالة العام على أفراده لا مدخلية لأحدهما في ثبوت الحكم للآخر، فيمكن القول حينئذٍ باستحباب الواحدة حتى لو قلنا: إنّ التعدّد من حيث كونه تعدّداً له وظيفة خاصّة غير ما على الفردين. يدفعه- بعد التسليم-: ظهورها في خصوص المقام فيما ذكرنا، كما لا يخفى على من أعطى النظر حقّه في التأمّل في الأخبار. نعم ربّما يظهر من قول الصادق (عليه السلام) في الحسن كالصحيح: «إنّ رجلًا من الأنصار مات فشهده رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: خضّروه ما أقلّ المخضّرين يوم القيامة، فقلت لأبى عبد اللّٰه (عليه السلام): و أيّ شيء التخضير؟ قال: تؤخذ جريدة رطبة قدر ذراع فتوضع، و أشار بيده إلى عند ترقوته، تلفّ مع ثيابه» [٧] الاجتزاء بالواحدة، و من هنا قال في الوسائل: إنّ «هذا محمول على جواز الاقتصار على الواحدة و يأتي مثله كثيراً» ٨ انتهى. لكنّه حكي عن الصدوق أنّه قال بعد ذكره الحديث: «جاء هذا الخبر هكذا: و الذي يجب استعماله أن يجعل للميّت جريدتان من النخل خضراوتان» [٩]. قلت:
و هو كالصريح فيما ذكرنا، و ظنّي أنّ المراد بالخبر إنّما هو أصل بيان التخضير من غير نظر إلى الاتحاد أو التعدّد. كما أنّ الظاهر من كثير من تلك الأخبار التي أشار إليها في الوسائل منها: الحسن كالصحيح: قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): لأيّ شيء توضع مع الميّت الجريدة؟ [١٠]، و الموثّق عنه (عليه السلام) أيضاً: «يستحبّ أن يدخل معه في قبره جريدة» [١١] و غيرها إرادة الجنس لا الوحدة، فلا منافاة، و به تشعر بعض الأخبار أيضاً حيث نصّ فيها على الجريدتين ١٢، ثمّ يقول بعد ذلك: و أمّا الجريدة، إمّا اعتماداً على ما سبق له، أو على معروفيّة الأمر بين الشيعة حتى امتازوا به عن مخالفيهم، فتأمّل جيّداً.
[١] انظر الوسائل ٣: ٢٠، ب ٧ من التكفين.
[٢] ٢، ٣، ٤ البيان: ٧٥. الذكرى ١: ٣٧١. المقنعة: ٨٣.
[٥] حكاه في المعتبر ١: ٢٨٨.
[٦] الوسائل ٣: ٢٨، ب ١١ من التكفين، ح ٤.
[٧] ٧، ٨ الوسائل ٣: ٢٢، ب ٧ من التكفين، ح ٥ و ذيله.
[٩] معاني الأخبار: ٣٤٨، ذيل الحديث ١.
[١٠] ١٠، ١٢ الوسائل ٣: ٢٢، ب ٧ من التكفين، ح ٧، ٦.
[١١] المصدر السابق: ٢٣، ح ٨.