جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠ - أوّلًا ما يحرم على الجنب
و إذ قد عرفت أنّ المحلّل الاجتياز خاصّة، فلا ريب في الرجوع إلى تحقيق معناه إلى العرف، كما هو الشأن في غيره من الألفاظ.
قيل [١]: و هل يدخل فيه التردّد في جوانبها و المشي من غير مكث و لا جلوس؟ (١)
قلت: لا ينبغي الإشكال في عدم صدق اسم الاجتياز عليه (٢).
و الحاصل: أن الظاهر من ملاحظة الأدلّة حرمة الدخول مطلقاً إلّا للاجتياز و غيره ممّا دلّ عليه الدليل، فيحرم حينئذٍ الدخول لا بعنوان الاجتياز و لا المكث.
و احتمال القول: إنّ المحرّم إنّما هو المكث و اللّبث، فيحلّ غيره قد عرفت فساده، و أنّ الظاهر من الأدلّة أنّ المحلّل الاجتياز خاصّة و الأخذ منها كما ستعرف.
و كيف كان، فما في المراسم من أنّه يندب للجنب أن لا يقرب المساجد إلّا عابري سبيل [٢] ضعيف جدّاً، مخالف للكتاب و السنّة و الإجماع المنقول، بل قد يدّعى تحصيله؛ لعدم قدح خلافه في ذلك.
و لعلّ مستنده خبر محمّد بن القاسم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام): عن الجنب ينام في المسجد، فقال: «يتوضّأ، و لا بأس أن ينام في المسجد و يمرّ فيه» [٣]. و هو- مع موافقته للتقيّة، و مخالفته للكتاب- قاصر عن مقاومة غيره من الأدلّة من وجوه عديدة، على أنّه لا دلالة فيه.
نعم، قد يظهر من الصدوق العمل به، قال- بعد أن ذكر أنّ الجنب و الحائض لا يجوز أن يدخلا المسجد إلّا مجتازين-: «و لا بأس أن يختضب الجنب و يجنب و هو مختضب» إلى أن قال: «و ينام في المسجد و يمرّ فيه، و يجنب أوّل الليلة و ينام ... إلى آخره» [٤] انتهى.
و هو- مع عدم انطباقه على تمام مدلول الرواية؛ لعدم ذكر الوضوء- ضعيف كسابقه؛ لما سمعت، مع احتمال تأويل عبارته بما يرجع إلى الأصحاب و إن بَعُد.
(١) ربّما ظهر من بعضهم ذلك.
(٢) و لعلّ القائل بجوازه منشؤُه أنّ المحرّم اللبث و المكث، لا غير الاجتياز، و هذا ليس لبثاً.
و فيه: ما عرفت سابقاً من ظهور الأدلّة في حرمة ما عدا الاجتياز، على أنّا نمنع عدم صدق اسم اللبث و المكث عليه؛ إذ لا يراد منه السكون و عدم الحركة كما هو واضح.
و ما يقال: من التمسّك على جوازه بخبر جميل عن الصادق (عليه السلام) قال: «للجنب أن يمشي في المساجد كلّها، و لا يجلس فيها إلّا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)» [٥] ضعيف؛ لما فيه من الطعن في السند أوّلًا، و عدم صلاحيّته لمعارضة ما سمعت من الأدلّة ثانياً، فلا بأس بحمل المشي فيها على المشي الاجتيازي، على أنّه من قبيل المطلق.
[١] الحدائق ٣: ٥٣.
[٢] المراسم: ٤٢.
[٣] الوسائل ٢: ٢١٠، ب ١٥ من الجنابة، ح ١٨، ١٩.
[٤] الفقيه ١: ٨٧، ذيل الحديث ١٩١.
[٥] الوسائل ٢: ٢٠٦، ب ١٥ من الجنابة، ح ٤.