جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢١٣ - غسل الحيض
يبقى الكلام في شيء لا ارتباط له فيما تقدّم: و هو أنّ الغسل و الوضوء- تقدّم أو تأخّر- مشتركان في رفع الحدثين، أو أنّهما على التوزيع، فالغسل للأكبر و الوضوء للأصغر؟ و تظهر الثمرة في ترتّب أحكام كلّ منهما بمجرّد فعله قبل فعل الآخر (١). و الذي يختلج في النظر القاصر هنا هو (٢) أنّ الحدث الأكبر حالة تحصل للمكلّف يمتنع بها عن فعل سائر ما ثبت توقّفه على فعل الطهارة الصغرى و زيادة، كاللّبث في المساجد للجنب و الحائض و قراءة العزائم و نحوهما، و هو معنى استلزام الأكبر للأصغر.
نعم، قد يشكل استفادة هذا التعميم بالنسبة إلى مسّ الأموات خاصّة، و قد ذكرناه في أوّل الكتاب.
(١) لم أجد نصّاً في كلام أحد من الأصحاب على شيء من ذلك سوى ما في المدارك، قال: «حدث الحيض و غيره من الأحداث الموجبة للوضوء و الغسل عند القائلين به، هل هو حدث واحد أكبر لا يرتفع إلّا بالوضوء و الغسل، أو حدثان أصغر و أكبر؟ ثمّ إن قلنا بالتعدّد فهل الوضوء ينصرف إلى الأصغر و الغسل إلى الأكبر، أم هما معاً يرفعان الحدثين على سبيل الاشتراك؟ احتمالات ثلاثة، و ليس في النصوص دلالة على شيء من ذلك» [١] انتهى.
و سوى ما في الذكرى [٢] من احتمال مدخليّة الوضوء في تحقّق غايات الأغسال، بل ظاهره احتمال ذلك حتى في الأغسال المندوبة فضلًا عن غيرها، و احتمل أيضاً العدم و أنّه شرط بالنسبة إلى غاياته كالصلاة و الطواف دونها.
و نقل عنها في جامع المقاصد استبعاد القول بالتوزيع، أي توزيع الغسل للأكبر و الوضوء للأصغر، و قال بعد نقل ذلك: إنّه «لا ريب في ضعف القول بالتشريك». كما أنّه نقل عن ابن إدريس أيضاً أنّه لا يجوز نيّة الرفع في الوضوء إذا تقدّم؛ نظراً إلى أنّ الرفع إنّما يتحقّق برفع الحدث الأكبر، فإن تقدّم الوضوء فهو باقٍ، و إن تأخّر فقد زال. ثمّ قال: «و ظهور ضعفه يغني عن ردّه» [٣] انتهى. و في البيان بعد ما نقل عن ابن إدريس ذلك أيضاً قال: «و هو يعطي توزيع الوضوء و الغسل على الأصغر و الأكبر، و ليس كذلك» [٤] انتهى.
قلت: و الموجود في السرائر في باب الحيض: أنّ الحائض تنوي بالغسل الرفع تقدّم أو تأخّر، و بالوضوء الاستباحة تقدّم أو تأخّر، و علّله بالنسبة إلى الوضوء أنّه قبل الغسل لا رفع؛ لمكان بقاء الحدث الأكبر، و بعده بأنّ الحدث ارتفع [٥]. و هو الذي نقله عنه في التحرير، قال فيه- بعد أن حكم بلزوم الوضوء في غسل الحيض قبله أو بعده-: «و تنوي بالمتقدّم استباحة الصلاة، و هل تنوي رفع الحدث أو بالمتأخّر لا غير؟ فيه نظر، و ابن إدريس قال: تنوي بالغسل رفع الحدث تقدّم أو تأخّر، و بالوضوء الاستباحة تقدّم أو تأخّر» [٦] انتهى. و في المنتهى بعد أن ذكر النظر المتقدّم علّله «بأنّ الحدث لا يرتفع إلّا بهما، فكان الأوّل غير رافع، فلا ينوي به الرفع، أو أنّه مع التأخّر كالجزء فجازت نيّة رفع الحدث، و كان أبي يذهب إلى الأوّل، و عندي فيه توقّف» [٧] انتهى.
هذا ما وقفت عليه من كلماتهم في هذا المقام، و لهم كلام آخر في باب الاستحاضة يأتي التنبيه عليه إن شاء اللّٰه تعالى في محلّه.
(٢) [ل]- أنّ المستفاد من ملاحظة النصوص و الفتاوى.
[١] المدارك ١: ٣٦١- ٣٦٢.
[٢] الذكرى ١: ٢٠٣.
[٣] جامع المقاصد ١: ٣٢٧، ٣٢٨.
[٤] البيان: ٦٥.
[٥] السرائر ١: ١٥١.
[٦] التحرير ١: ١٠٩.
[٧] المنتهى ٢: ٤٠٧.