جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٠٤ - مكروهات الدفن
[و هل يستثنى قبور الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)؟]
قلت: قد يقال: إنّ قبور الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) لا تندرج في تلك الإطلاقات [أي منع تجصيص القبور و تجديدها] حتى تحتاج إلى استثناء، كما هو واضح.
إلّا أنّه لم يكن ذلك مستعملًا في ذلك الوقت حتى يبالغ هذه المبالغة في النهي عنه، على أنّ المراد بتجديدها بحسب الظاهر إنّما هو ظاهرها، و ليس لظاهرها حالة سابقة معتدّ بها حتى ينهى عن تجديدها؛ لكراهة التجصيص و البناء عليها و التظليل و نحو ذلك ابتداءً من دون تجديد، بل و كذا التطيين بغير ترابها، بل و بترابها إلّا على قول فلا كراهة فيها، فلم يكن ثَمّ حالة كان عليها ينهى عن تجديدها.
اللّهم إلّا أن يقال: إنّه لا ريب في تفاوت القبر الجديد لغيره بارتفاعه عن الأرض- مثلًا- و العلامة، و التطيين بطينه، و نحو ذلك ممّا يفيد الناظر إليه أنّه قبر جديد، و مرجعه الحقيقي العرف أيضاً، فلا ينبغي إطلاق الكراهة؛ إذ التجديد بهذا المعنى قد يكون محرّماً و هو ما إذا كان في الأرض المسبلة و قد اندرس الميّت، و كان ذلك المكان محتاجاً إليه؛ لسقوط حقه منه، و تعلّق حق غيره به، فاللازم حينئذٍ تقييد الكراهة بما يحترز عن هذا و شبهه. و أيضاً هذا كلّه مضافاً إلى ما ذكره المصنّف في المعتبر من الطعن في سند هذه الرواية بضعف محمد بن سنان و أبي الجارود، قال: «فالرواية ساقطة، فلا ضرورة إلى التشاغل بتحقيق نقلها» و تبعه عليه في المدارك [١].
إلّا أنّه قد يدفع هذا:
١- بانجبارها بالشهرة المحكية [٢] إن لم تكن محصّلة.
٢- و بأنّ الحكم مكروه، فلا يقدح فيه ذلك.
٣- و بأنّ اشتغال الأفاضل مثل الصفّار و سعد بن عبد اللّه و أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي و الصدوق و الشيخين في تحقيق هذه اللفظة مؤذن بصحة هذا الحديث عندهم و إن كان طريقه ضعيفاً كما في أحاديث كثيرة اشتهرت و علم موردها و إن ضعف أسنادها.
٤- كما أنّه قد يدفع ما تقدّم: بأنّه يكفي في ثبوت الكراهة كون ذلك أحد الامور المذكورة، سيّما مع احتمال صحة ما ذكره اولئك الأفاضل جميعه، و تعدّدِ الرواية؛ و لعلّه لذا قال في الدروس: «و يكره تجديده بالجيم و الحاء و الخاء» [٣].
لكن ينبغي أن يقيّد الأخير بما لا يستلزم النبش المحرّم، و إلّا كان حراماً لا مكروهاً، إلّا أنّ لنا في الاكتفاء بمثل هذه الاحتمالات في المندوبات و المكروهات مع عدم القول بالاحتياط العقلي بحثاً ليس هذا محل ذكره، فتأمّل.
٤/ ٣٤٠/ ٥٨٨
ثمّ إنّه قد استثنى في جامع المقاصد [٤] من كراهة التجصيص و التجديد قبور الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) كالمدارك، قالا: «لإطباق السلف و الخلف على فعل ذلك بها».
بل في المدارك: «و لاستفاضة الروايات بالترغيب في ذلك»، كما أنّه فيها أيضاً: «لا يبعد استثناء قبور العلماء و الصلحاء؛ استضعافاً لخبر المنع، و التفاتاً إلى تعظيم الشعائر، و لكثير من المصالح الدينية» ٥.
[١] المعتبر ١: ٣٠٤. المدارك ٢: ١٥١.
[٢] الحدائق ٤: ١٣٤.
[٣] الدروس ١: ١١٦.
[٤] ٤، ٥ جامع المقاصد ١: ٤٥٠. المدارك ٢: ١٥٠.