جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠٧ - سنن التكفين
..........
لا ينبغي الشكّ في بُعد ما ذكر من إرادة المسحوق من كلّ طيب؛ لمعروفية العَلَمِيّة منها. نعم قد يقال: إنّها عبارة عمّا حكاه الصغاني من أنّه «باليمن يجعلون أخلاطاً من الطيب، يسمّونها الذريرة» [١]. و ما حكاه في الذكرى من «أنّها الورد و السنبل و القرنفل و القسط و الأشنة، و كلّها نبات، و يجعل فيها اللاذن، و يدقّ جميع ذلك» [٢]؛ لاجتماع الوصفية و العلمية حينئذٍ، و ربّما يرجع إليه سابقه. كما أنّه في عرفنا الآن كذلك نوع خاصّ من الطيب مسحوق يسمّى ذريرة. و لعلّه هو الذي أراده في المدارك بأنّه «طيب مخصوص معروف بهذا الاسم الآن في بغداد و ما والاها» [٣]. لكن نصّ في المقنعة و المبسوط و عن النهاية و المصباح و مختصره و الإصباح أنّها القمحة [٤]. و عن التذكرة [٥] أنّه قال: «بضم القاف و تشديد الميم المفتوحة و الحاء المهملة، أو بفتح القاف و التخفيف كواحدة القمح، و سمّاها به أيضاً الجعفي» [٦]. قلت: و عن القاضي [٧]، و كأنّها حينئذٍ ما حكي عن الراوندي: أنّه «قيل:
إنّها حبوب تشبه حبّ الحنطة التي تسمّى بالقمح، تدقّ تلك الحبوب كالدقيق، لها ريح طيبة» [٨]. لكن حكى في الروض: أنّه «وجد بخطّ الشهيد (رحمه الله) نقلًا عن بعض الفضلاء: أنّ قصب الذريرة هي القمحة التي يؤتى بها من ناحية نهاوند، و أصلها قصب نابت في أجمة بعض الرساتيق يحيط بها حيّات، و الطريق إليها على عدّة عقبات، فإذا طال ذلك تُرك حتى يجفّ ثمّ يقطع عقداً و كعاباً، ثمّ يعبّى في الجوالقات، فإذا اخذ على عقبة من تلك العقبات المعروفة عفن و صار ذريرة، و يسمّى قمحة، و إن سلك به على غير تلك العقبات بقي قصباً لا يصلح إلّا للوقود» [٩] انتهى. قلت: لعلّ المراد بالقمحة حينئذٍ في كلام اولئك ذلك، كما أنّه ربّما يرجع إليه أيضاً ما عن الشيخ في التبيان: أنّ «الذريرة فتات قصب الطيب، و هو قصب يؤتى به من الهند يشابه قصب النشاب» ١٠، بل و كذا ما في السرائر: أنّ «الذي أراه أنّها نبات طيب غير الطيب المعهود، يقال لها: القمحان، نبات يجعلونه على رأس دن الخمر ليكسبها الريح الطيبة» [١١] انتهى. لكنّه بعيد؛ لأنّ المحكيّ عن العين: أنّ «القمحان يقال: ورس، و يقال: زعفران» ١٢. و عن تهذيب الأزهري عن أبي عبيد: «زبد الخمر، و يقال: طيب» [١٣]. و عن المحيط: «الزعفران و الورس، و قيل: ذريرة تعلو الخمر» [١٤].
و عن المقاييس: «الورس أو الزعفران أو الذريرة، كلّ ذلك يقال» [١٥]. و عن المجمل: «الورس، و يقال للزعفران و الذريرة» [١٦]. اللّهم إلّا أن يدعى أنّ ما ذكرناه أقرب. و كيف كان، فلعلّ الاجتزاء بما سمعت من المعروف عندنا الآن [و هو النوع الخاصّ من الطيب مسحوق يسمّى ذريرة] لا يخلو من قوّة، كما أنّ القول بأنّها صنف شامل لجميع ذلك من فتات قصب الطيب و من القمحة و من الأجزاء اليمانية و غير ذلك ممّا تقدّم، فليست هي كلّ طيب مسحوق و لا شخص خاصّ، لا يخلو أيضاً من قوّة. و به يجمع بين تلك الكلمات المتفرّقة؛ لكون المثبت مقدّماً على النافي، فلا يسمع من أحد منهم الحصر، فتأمّل جيّداً.
[١] نقله في الذكرى ١: ٣٥٩.
[٢] الذكرى ١: ٣٦٠.
[٣] المدارك ٢: ١٠٦.
[٤] المقنعة: ٧٥. المبسوط ١: ١٧٧. النهاية: ٣٢. مصباح المتهجد: ١٩. مختصر المصباح: ١٩. إصباح الشيعة: ٤٥.
[٥] كذا في النسخ و الصحيح الذكرى.
[٦] الذكرى ١: ٣٥٩.
[٧] المهذّب ١: ٦٠.
[٨] نقله في الذكرى ١: ٣٦٠.
[٩] ٩، ١٠ الروض ١: ٢٨٨. التبيان ١: ٤٤٨.
[١١] ١١، ١٢ السرائر ١: ١٦١. العين ٣: ٥٥.
[١٣] تهذيب اللغة ٤: ٨٠.
[١٤] المحيط في اللغة ٢: ٣٦٦.
[١٥] معجم مقاييس اللغة ٥: ٢٥.
[١٦] المجمل في اللغة: ٥٧٧- ٥٧٨.