جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٥٩ - غسل الميّت
..........
و في المنتهى: «و يستحبّ أن يتولّى تغسيله أولى الناس به- إلى أن قال:- و يؤيّده ما رواه ابن بابويه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «يغسّل الميّت ... إلى آخره» [١]» [٢].
و كأنّه حمل الأمر فيه على الاستحباب، لكن قال بعد ذلك بأوراق: «مسألة: و يغسّل الميّت أولى الناس به، روى الشيخ عن غياث بن إبراهيم الرزامي عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام)، قال: «يغسّل الميّت أولى الناس به» ٣» [٤] انتهى.
و ظاهره هنا الوجوب، إلّا أنّه يمكن حمله على الاستحباب جمعاً بين كلاميه، كما أنّه قد يحمل كلامه الأوّل على إرادة استحباب تولّي خصوص الوليّ للتغسيل، فلا ينافي الوجوب حينئذٍ، بل ينبغي القطع بإرادته ذلك، كما لا يخفى على من لاحظ كلامه فيه. و كيف كان فقد يؤيّد القول بالاستحباب:
١- مضافاً إلى ما عرفت من الإشكال على تقدير الوجوب.
٢- و [مضافاً إلى] إجماع الغنية المتقدّم في الصلاة مع أولويّة ما نحن فيه منها عند التأمّل.
٣- و [مضافاً] إلى الأصل و العمومات و الإطلاقات، بل كاد بعضها يكون كالصريح بعدم اعتبار الأولويّة مع عدم نهوض دليل يعتد به على الوجوب، لا من الآية و لا الرواية.
٤- إنّ اعتبار إذن الوليّ في غاية الصعوبة، سيّما مع التعدّد و عدم حضور الجميع أو البعض و إمكان الانتظار و عدمه، فلا يعلم حينئذٍ سقوطها أو انتقالها إلى حاكم الشرع، و إلّا فعدول المسلمين و سيرة المسلمين على خلاف ذلك كلّه؛ إذ لم نسمع يوماً من الأيّام التعرّض لشيء من ذلك.
كما أنّا لم نرَ أحداً توقّف في تغسيل ميّت لا وليّ له على استئذان حاكم الشرع أو عدول المسلمين، و لا أحداً عطّل ميّتاً لانتظار قدوم وليّه فيغسّله أو يستأذن منه، و لا أحداً أعاد غسل ميّت مثلًا لخلل في ذلك.
٥- و خلوّ النصوص عن التعرّض لتفصيل شيء من هذه الأحكام و غيرها مع كثرتها و صعوبة معرفة الحكم فيها أكبر شاهد على عدم الوجوب، بل قد يشعر لفظ «الأولى» فيها بالاستحباب ككثير من كلمات الأصحاب، كإشعار لفظ «الأولى» و «الأحق» في الصلاة أيضاً. و يزيده إشعاراً:
١- مشاركته لما ورد في المكتوبة من تقديم الأقرأ و الأفقه و الأسنّ [٥].
٢- و العدول إلى لفظ الغاصب هنا و فيما تقدّم عن لفظ البطلان أو عدم الصحة أو نحو ذلك، هذا.
مع أنّ القول بالوجوب مستلزم أحكاماً كثيرة مخالفة للأصل ليس في شيء من الأخبار تعرّض لشيء منها، إلى غير ذلك من المؤيّدات الكثيرة، فتأمّل جيّداً. و المقصود من هذا كلّه أنّ ارتكاب التشكيك في وجوب الأولويّة أهون من ارتكابه في الوجوب الكفائي، و إن كان الأقوى خلافهما معاً.
[١] ١، ٣ الوسائل ٢: ٥٣٥، ب ٢٦ من غسل الميّت، ح ٢، ١.
[٢] المنتهى ٧: ١٤٨- ١٤٩.
[٤] المنتهى ٧: ٢٠٢.
[٥] انظر الوسائل ٨: ٣٥١، ب ٢٨ من صلاة الجماعة.