جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٥٧ - غسل الميّت
..........
و وجه التنافي بين ذلك كلّه و بين ما قلناه من الوجوب الكفائي واضح؛ إذ لا معنى لإناطة الواجب برأي بعض المكلّفين، و الفرض أنّه مطلق لا مشروط، و هو الذي أشار إليه الشهيد في الروض- على ما حكي عنه تبعاً للمحقّق الثاني في جامع المقاصد، حيث- قال فيه: «و اعلم أنّ ظاهر الأصحاب أنّ إذن الولي إنّما يتوقّف عليها الجماعة لا أصل الصلاة؛ لوجوبها على الكفاية، فلا يناط برأي أحد من المكلّفين، فلو صلّوا فرادى بغير إذن أجزأ» [١] انتهى.
و هو و إن ذكر ذلك في خصوص الصلاة لكنّه لا يخفى عليك جريانه في غيرها من أحكام الميّت التي ادعي فيها الوجوب الكفائي من التغسيل و نحوه. فقضية ذلك منهما [الشهيد و المحقّق الثاني] عدم اعتبار الإذن في صحّة ما وجب كفاية من أحكام الميّت؛ لما تقدّم من التنافي.
و من العجيب أنّ الشهيد بعد ما سمعته منه في الروض قال في المسالك في المقام: «لا منافاة بين الأولويّة و وجوبه على الكفاية، و كذا توقّف فعل غير الوليّ على إذنه لا ينافي أصل الوجوب» [٢] انتهى. و لم يذكر وجه عدم المنافاة. و لعلّه الذي أشار إليه في المدارك بعد حكاية كلام جدّه في الروض قال: «و قد يقال: إنّه لا منافاة بين الوجوب كفائيّاً و بين إناطته برأي بعض المكلّفين، على معنى أنّه إن قام به سقط الفرض عن غيره، و كذا إن أذن لغيره و قام به ذلك الغير، و إلّا سقط اعتباره، و انعقدت الصلاة جماعة و فرادى بغير إذنه» [٣] انتهى.
و ربّما ظهر من الرياض متابعته في ذلك أيضاً كما عن الذخيرة [٤].
و ناقش فيه بعضهم [٥]: بأنّ البحث ليس في سقوط الفعل عن الغير إذا قام به الوليّ أو نصب من قام به الوليّ، و لا في سقوط اعتباره إذا امتنع عن الإذن و المباشرة، إنّما البحث في أنّ مقتضى الوجوب الكفائي تعلّق خطابه بجملة المكلّفين على حدّ واحد، و أنّه متى قام به بعضهم سقط عن الباقي، و مقتضى إناطة الأمر به اختصاصه و من قدّمه بذلك، و أنّه متى اقيم بدون إذنه لم يكن مجزياً، فالمنافاة بحالها حينئذٍ، و كيف يتصوّر الوجوب المطلق على مكلّف مع اشتراط صحّة الفعل المكلّف به بما ليس من قِبَلِه كالإذن من شخص آخر و نحو ذلك؟! نعم هو واجب مشروط، فتأمّل.
و لعلّه لذا و شبهه بالغ المحدّث البحراني في حدائقه [٦] و أخوه في إحيائه في إنكار الوجوب الكفائي على سائر المكلّفين، بل هو مختصّ بالوليّ. نعم لو امتنع الوليّ مع عدم التمكّن من إجباره، أو لم يكن وليّ انتقل الحكم حينئذٍ إلى المسلمين بالأدلّة العامّة، زاعماً أنّ ذلك هو الظاهر من الأخبار المتقدّمة التي تعرّض فيها لذكر الوليّ، مضافاً إلى ما عساه يشعر به زيادة على ذلك:
[١] الروض ٢: ٨٣٠. جامع المقاصد ١: ٤١٠.
[٢] المسالك ١: ٨٠.
[٣] المدارك ٤: ١٥٦.
[٤] الرياض ٤: ١٥٠. الذخيرة: ٣٣٤.
[٥] الحدائق ٣: ٣٦٠.
[٦] الحدائق ٣: ٣٥٩- ٣٦٠.