البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٨٢ - مناقشة الوجه الثاني
الإطلاقين المقابلين للنحوين الأخيرين من التقييد؛ فإن إطلاق الدليل في الطرف الآخر لحالة ارتكاب الطرف الأول ساقط من الأساس من دون فرق بين ارتكابه قبل الطرف الأول أو بعده، بنفس النكتة التي سقط بها الإطلاق المقابل للتقييد من النحو الأول، بينما نجد في التقييد من النحوين الآخرين أن تقييد جريان الأصل في أحدهما بكونه قبل الآخر يعارض تقييد جريانه في الآخر بكونه بعد صاحبه، و لا موجب لترجيح أحد التقييدين على الآخر؛ إذ لا موجب لتقييد جريان الأصل في (أ) بكونه قبل (ب) و تقييد جريان الأصل في (ب) بكونه قبل (أ)- وفقاً للنحو الثاني من التقييد- دون تقييد جريان الأصل في (أ) بكونه بعد (ب) و تقييد جريان الأصل في (ب) بكونه بعد (أ)- وفقاً للنحو الثالث من التقييد-، و كذلك لا موجب لتقييد جريان الأصل في (أ) بكونه بعد (ب) و تقييد جريان الأصل في (ب) بكونه بعد (أ)-
وفقاً للنحو الثالث من التقييد- دون تقييد جريان الأصل في (ب) بكونه قبل (أ) و تقييد جريان الأصل في (أ) بكونه قبل (ب)- وفقاً للنحو الثاني من التقييد-؛ فإنه من الترجيح بلا مرجّح [١].
[١] ينبغي الالتفات إلى أن الملحوظ في التعارض الذي تم تصويره في المقام إنما هو بين التقييد من النحو الثاني و التقييد من النحو الثالث؛ فإنّ كلا منهما صالح في نفسه لتقييد دليل الأصل به، فيكون الأخذ بأحدهما دون الآخر من الترجيح بلا مرجّح، فينتهي الأمر إلى سقوط كلا النحوين المذكورين من أنحاء التقييد و الظاهر أنّ هذا هو المراد من العبارة التي جاءت عن السيد الشهيد في المقام و هي قوله:) و أما حالة كونه قبل الآخر مثلًا فجريان الأصل فيها يعارض جريانه في الآخر حالة كونه بعد صاحبه».
و بعبارة مختصرة: إن كل نحو من أنحاء التقييد المتقدمة يقابله الإطلاق بالنحو المناسب له، فالإطلاق المقابل للنحو الأول هو عبارة عن الإطلاق لحالة ارتكاب الطرف الآخر أو عدم ارتكابه، و الإطلاق المقابل للنحو الثاني هو عبارة عن الإطلاق لحالة كون الطرف الآخر قبل الطرف الأول أو بعده، و الإطلاق المقابل للنحو الثالث هو عبارة عن الإطلاق لحالة كون الطرف الآخر بعد الطرف الأول أو قبله، و محذور الترخيص في المخالفة الواقعية يندفع برفع اليد عن أي واحد من الاطلاقات الثلاثة المتقدمة، إلا أنه لا مبرر لرفع اليد عن جميع هذه الإطلاقات؛ فإنه لا يجوز رفع اليد عن جزء من مفاد الدليل إلا لضرورة، و الضرورة تقتضي رفع اليد عن أحد الإطلاقات لا جميعها، و رفع اليد عن أحدها خاصة لا بد و أن يكون لمرجح، و إلا كان من الترجيح بلا مرجح، و هو باطل، و المرجح في المقام يكون لصالح التقييد من النحو الأول دون النحوين الآخرين، فيرفع اليد عن الإطلاق المقابل للنحو الأول من التقييد؛ لأنه ليس له معارض إلا الإطلاق في الطرف الآخر لحالة ارتكاب الطرف الأول، و هذا الإطلاق ساقط من الأساس لكونه فرض المخالفة القطعية، و هذا بخلاف رفع اليد عن أحد الإطلاقين الآخرين؛ فإنّ كلا منهما يعارض الآخر؛ حيث أن رفع اليد عن الإطلاق المقابل للتقييد من النحو الثاني ليس بأولى من رفع اليد عن الإطلاق المقابل للتقييد من النحو الثالث، فيتعارضان و يتساقطان، و يبقى كل واحد من الإطلاقين المذكورين على حاله.