البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٥ - تحقيق الحال في الاتجاه الثالث
تعبدياً، حيث أخذ في لسانه الشك [١]، من دون فرق في ذلك بين كون المجعول فيه مجرد الجري العملي و بين كون المجعول فيه هو الطريقية و الكاشفية كما هو الحال في الاستصحاب عندهم.
فعند تعارض الاستصحاب مع أمارة، كما لو دلّ الاستصحاب على حرمة شيء و دلّت الأمارة على إباحته أو بالعكس، قالوا في هذه الحالة بتقديم دليل الأمارة على الاستصحاب بالحكومة؛ بتوجيه: إن دليل الاستصحاب قد أخذ في موضوعه الشك و عدم العلم، بينما لم يؤخذ ذلك في موضوع دليل الأمارة، فيكون دليل الأمارة بإطلاقه رافعاً لموضوع دليل الاستصحاب دون العكس.
الثاني: إذا كان الميزان في كون الشيء أمارة أو أصلًا هو عدم أخذ الشك في موضوع الأول في لسان دليله، و أخذه في الثاني، كان مقتضى ذلك أن يكون تحديد كون الشيء أمارة أو أصلًا عملياً منوطاً بنوع الدليل الذي يثبت كلًا منهما؛ فخبر الثقة يكون من الأمارات إذا استدل له بآية النفر أو النبأ، و أما إذا استدل له بمثل آية السؤال من أهل الذكر في قوله تعالى: واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [٢]، فالمفروض أنه سوف يكون أصلًا عملياً بمقتضى هذا التفريق؛ لأن الآية الكريمة قد أخذ في موضوعها في لسان دليلها عدم العلم كما هو واضح. و هذا مما لا يقول به أحد؛ فإنه لا يختلف اثنان من الأصوليين الذين يقولون بحجية خبر الثقة في كونه من الأمارات على الرغم
[١] الظاهر أنّ المقصود بالثمرة في المقام، هو كون تقديم الأمارة على الأصل العملي بنكتة الحكومة في مقابل كونه بنكتة أخرى، كالتخصيص و غيره من الملاكات الأخرى التي ذكرها الأصوليون في توجيه هذا التقديم و تبريره، لا أنّ الثمرة هي عبارة عن أصل التقديم؛ فإنّ تقديم الأمارة على الأصل العملي عند التعارض مما لا كلام فيه بين الأصوليين، و إنما الاختلاف بينهم في وجه التقديم و ملاكه، و لأجل ذلك يحكم بالتقديم المذكور حتى لو نلتزم بهذا الاتجاه في التفريق بين الأمارة و الأصل العملي
[٢] سورة النحل: آية ٤٣.