البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٠ - الاعتراض الأول لا ظهور في الآية في نفي استحقاق العذاب
الاعتراض الأول: لا ظهور في الآية في نفي استحقاق العذاب
أما الاعتراض الأول على الاستدلال بالآية الكريمة على البراءة الشرعية، فهو دعوى أن غاية ما تدل عليه الآية الكريمة هو نفي فعلية العذاب و العقاب لا نفي استحقاق العذاب، و من المعلوم: أنّ نفي العذاب أعم من أن يكون رحمة و شفقة بعباده و لطفاً بهم و منةً عليهم، أو يكون لأجل عدم استحقاقهم للعذاب أصلًا. و من الواضح أنّ نفي فعلية العذاب لا يلازم نفي استحقاقه؛ لأن المكلف قد يكون مستحقاً للعذاب و العقاب و لكن الله سبحانه و تعالى لا يعذبه رأفةً به و منّة منه عليه
كما تقدم [١].
و بهذا تكون الآية أجنبية عما نحن بصدده؛ إذ المراد إثباته في المقام إنما هو نفي استحقاق العذاب لا مجرد نفي فعلية العذاب؛ فإنّ الأول هو معنى البراءة الشرعية لا الثاني [٢].
[١] و هذا ما اعترض به المحقق الخراساني أيضاً حيث قال بعد ذكره للآية الكريمة:) و فيه: أنّ نفي التعذيب قبل اتمام الحجة ببعث الرسل لعلّه كان منّةً منه تعالى على عباده مع استحقاقهم لذلك». راجع: كفاية الأصول، ص ٣٨٥
[٢] يمكن أن يقال: إنه لا موجب لتخصيص البراءة الشرعية بنفي استحقاق العذاب دون نفي فعليته؛ لأنّ المهم إثبات التأمين الشرعي تجاه التكاليف الواقعية المشكوكة من دون فرق بين كون ذلك بنفي استحقاق العقاب أو بنفي فعليته، وعليه، فلا معنى لهذا الاعتراض حتى لو التزمنا بعدم الملازمة بين نفي فعلية العذاب و العقاب و نفي استحقاقه؛ فإنّ عدم ظهور الآية الكريمة في نفي الاستحقاق لا يحول دون دلالتها على البراءة الشرعية بالمعنى المتقدم في مورد التكاليف غير الواصلة بالقطع و اليقين؛ لأنّ المطلوب أساساً هو نفي العذاب و العقاب من دون فرق بين أن يكون ذلك بنفي استحقاقه أصلًا، أو بنفي فعليته من باب الرحمة بالعباد و الشفقة عليهم، فإنّ هذا لا يغير من واقع الحال شيئاً لأنه يثبت التأمين تجاه التكاليف الواقعية المشكوكة، و هذا المقدار هو الذي يهم المكلف، و لا ربط له بعلّة ذلك أصلًا، غاية الأمر، سوف يكون ذلك وعداً من الله سبحانه و تعالى لعباده، و الله لا يخلف وعده كما هو معلوم، و معه، فلا حاجة إلى تكلّف الجواب عن هذا الاعتراض.