البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٠٤ - المقام الثاني الاحتياط في العبادات خاصّة
نحو الاستحباب.
ففي القسم الأول يمكن الاحتياط بشأنه، و يقصد وقوع الفعل بقصد أمره مهما كان ذلك الأمر استحبابياً أو وجوبياً؛ لأن ذلك وحده كافٍ لإيقاع الفعل عبادياً و قربياً. و أما القسم الثاني، فقد يقال بعدم إمكان الاحتياط بشأنه؛ لأنه إما أن يأتي به بدون قصد القربة فيكون لغواً جزماً و لا يقع عبادة لأن العبادة متقوّمة بقصد القربة، و إما أن يأتي به بقصد القربة بحيث يقصد امتثال الأمر، فهذا تشريع محرّم؛ لأن إتيانه بقصد امتثال أمره يعني: افتراض أن هناك أمراً قد تعلّق بالفعل و البناء على وجوده، مع أن المكلّف شاك و لا يعلم بوجود أمر، و لا شك أن هذا من التشريع المحرّم، فلا يقع الفعل عبادة، فلا تحصل موافقة التكليف المشكوك حتى لو كان ثابتاً في الواقع. و لا نعني بالاحتياط إلا موافقة التكليف الواقعي المشكوك على تقدير ثبوته.
و قد يجاب على ذلك: إننا تارةً نفترض فقهياً اشتراط قصد الأمر المتعلّق
بالعبادة، فمثلًا: لو احتملنا وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و لا نعلم بأصل مطلوبيته، فتارةً نشترط فقهياً قصد الأمر المتعلّق بنفس الدعاء عند رؤية الهلال، أي: قصد الأمر المتعلّق بالفعل بالعنوان الأولي، و أخرى، نفترض كفاية قصد الأمر الجزمي و لو كان متعلّقاً بالعنوان الثانوي الذي ينطبق على العبادة، كالأمر بالاحتياط تجاه تلك العبادة المشكوكة، فإن الأمر بالاحتياط معلوم و إن كنّا لا نعلم بالأمر بالدعاء.
فبناءً على الفرض الأول لا يمكن الاحتياط، بل يكون من التشريع المحرّم، و معه يسقط التكليف لعدم القدرة على متعلّقه. و من الواضح أن كل تكليف مشروط بالقدرة، و مع عدم وصول الأمر لا يكون المكلّف قادراً على العبادة.
و أما لو أخذنا بالافتراض الثاني و هو كفاية قصد الأمر الجزمي و لو كان متعلقاً بالعنوان الثانوي المنطبق على العبادة، فيمكن للمكلّف أن يوقعها بقصد قربي، و ذلك بأن يقصد نفس الأمر المتعلّق باستحباب الاحتياط، فيقصد المكلّف امتثال الأمر بالاحتياط.