البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٣٦ - أولًا الشك البدوي في الوجوب و الحرمة بلحاظ الأصل العملي العقلي
فالمشهور ذهب إلى البراءة العقلية في مورد الشك في التكليف، بينما ذهب السيد الشهيد إلى أصالة الاشتغال و منجزية الاحتمال المعلقة على عدم ورود الترخيص الشرعي.
هذا بالنسبة إلى الشك في التكليف الذي يستبطن احتمالين فقط هما: احتمال الالزام و احتمال الترخيص، و أما بالنسبة إلى ما نحن فيه، و هو الشك الذي يستبطن الوجوب و الحرمة و الإباحة، فعلى أساس مسلك قبح العقاب بلا بيان، لا شك في شمول هذه القاعدة لما نحن فيه، فإن كلا من الوجوب و الحرمة لم يتم عليهما البيان كما هو واضح، فيكون كل منهما مجرى للبراءة، و يكون الحال فيما نحن فيه كالحال فيما تقدم من النحو الأول من الشك البدوي.
و أما بناءً على مسلك حق الطاعة الذي يقتضي منجزية الاحتمال في نفسه، فإن كلا من احتمال الوجوب و احتمال الحرمة منجز في نفسه؛ لدخوله في دائرة حق الطاعة، و لكنهما يتزاحمان في التنجيز، و ذلك لاستحالة تنجيزهما معاً؛ لأن تنجيز الوجوب يعني: إدخال الفعل في عهدة المكلف، و تنجيز الحرمة يعني: إدخال الترك و عدم الفعل في عهدته. و يستحيل على المكلف الخروج من عهدتهما معاً؛ لأنه إن أتى بالفعل فقد وقع في المخالفة من جهة الحرمة و إن ترك الفعل فقد وقع في المخالفة من جهة الوجوب، و الحال أنّ الواقع لا يخلو من أحدهما، فإما أن يفعل و إما أن يترك، كما أن تنجيز أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، الأمر الذي
يقتضي بطلان منجزيتهما معاً، و تجري البراءة أيضاً [١].
[١] الظاهر، بل المقطوع به، إن جريان البراءة هنا، المقصود به هو البراءة العقلية لا البراءة الشرعية؛ لأن الكلام إنما هو بلحاظ الأصل العملي العقلي، و لكن، ليس على أساس قبح العقاب بلا بيان كما عليه المشهور، و إنما على أساس استحالة التنجيز في المقام، فيحكم العقل بالبراءة نتيجة لإدراكه لاستحالة التنجيز. فانتبه، و لا تغفل.