البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٠ - ما يمتاز به كل من الأصلين عن الآخر
و قد يعترض على افتراض هذا الأصل بأن التخيير لا يعقل إلا أن يكون راجعاً إلى البراءة؛ لأن التخيير الذي يحكم به العقل في موارد الدوران بين المحذورين يعني التخيير بين الفعل و الترك، و هو نفس المعنى الذي تفيده البراءة و ليس شيئاً آخر غيرها، و الوجه في ذلك هو: إنّ المراد بالتخيير في المقام لا يخلو من أحد أمرين تاليين:
الأول: دخول أحد التكليفين إما الوجوب و إما الحرمة في عهدة المكلّف.
الثاني: أنه لا يلزم المكلف عقلًا بأيٍّ منهما لا بالفعل و لا بالترك و لا يدخل شيء منهما في عهدته.
فإن كان الأول فهو غير معقول؛ لأن معنى ذلك دخول الجامع بين الفعل و الترك و هو (عنوان أحدهما) في عهدة المكلف. و من المعلوم: أن ذلك الجامع في المورد المذكور ضروري الوقوع؛ لعدم إمكان خلو الواقع من أحدهما كما هو واضح.
و إن كان الثاني، فهو عين البراءة و ليس شيئاً آخر غيرها.
و سيأتي تفصيل ذلك في بحث الدوران بين المحذورين إن شاء الله تعالى.
و أما الأصول العملية الشرعية، فلا حصر عقلي لها في البراءة أو الاشتغال، و إنما هي تابعة لطريقة جعلها، فقد تكون استصحاباً مثلًا.
رابعاً: إن الأصول العملية العقلية باعتبارها وظائف يحكم بها العقل، فلا يعقل التعارض فيما بينهما لا ثبوتاً و لا إثباتاً.
أما ثبوتاً، فلأن حكم العقل تابع لموضوعه، و لا يمكن للعقل أن يحكم بحكمين متنافيين على موضوع واحد. و هذا واضح.
و أما إثباتاً، فلأن مقام الإثبات في الأحكام العقلية ليس هو إلا إدراك العقل، و هو عين مقام الثبوت، لا أن أحدهما غير الآخر، و من المعلوم: أن إدراك العقل لكل من الموضوع و الحكم في القضايا العقلية في مرتبة واحدة، و لا يعقل التفكيك بينهما؛ فإنّ علّة حكم العقل هو إدراكه لموضوعه، و لا يعقل التفكيك بين العلة و المعلول، و لأجل ذلك قلنا بأنه