البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨١ - تحقيق الحال في هذا الوجه
و بالتالي جعله لوجوب الفعل، لا يتوقف على الوصول، بل لا ربط له بذلك أصلًا كما هو واضح [١].
و إن أريد الثاني، أي: ما كان مقروناً بداعي البعث و التحريك، فهو حتى لو سلمنا بأنه متقوم بالوصول و أنه غير معقول بدونه، إلا أنّ ذلك لا ينهى البحث؛ لأنّ الشك في وجود جعل شرعي ناشئ من إرادة و مصلحة ملزمتين موجود على أي حال حتى لو لم يكن مقروناً بداعي البعث و التحريك [٢].
[١] و من هنا، وقع التسالم بين الأصوليين على ما يعرف بقاعدة اشتراك الأحكام الواقعية بين العالم و الجاهل، و على أنها بمبادئها محفوظة في حق الجميع.
[٢] لا يتوهم أن المحقق الأصفهاني يقصد بأنّ التكاليف الواقعية على نحوين: بعضها مجعول بداعي البعث و التحريك، و بعضها الآخر لم يجعل بهذا الداعي كما قد يظهر من كيفية تقريب هذا الوجه و الجواب عليه؛ فإن كل التكاليف مجعولة بداعي البعث و التحريك، غاية الأمر أنها ما دامت كذلك فهي متقومة بالوصول، فمع عدم الوصول لا تأثير لها بمجرد انشائها و لو بهذا الداعي، و يكون وجودها من حيث ذلك الداعي كعدمه، و من هنا كان العقاب عليها عقاب مع عدم التكليف.
فالمقصود: أن التكليف له مرتبتان: مرتبة الإنشاء و مرتبة التحريك و خلق الداعي لدى المكلف للتحرك عنه.
و المرتبة الثانية متقومة بالوصول دون المرتبة الأولى، مع الالتزام بأن كل التكاليف مجعولة بداعي البعث و التحريك، غاية الأمر، أنها بمرتبتها الأولى شاملة للجميع من دون فرق بين القادر و العاجز و العالم و الجاهل، و أما بمرتبتها الثانية فهي مختصة بالقادر و العالم و لا تشمل العاجز و الجاهل، و هذا المعنى هو الظاهر من كلماته حيث قال في نهاية الدراية،، ج ٤، ص ٨٣:) و أن الحكم الحقيقي متقوم بنحو من أنحاء الوصول؛ لعدم معقولية تأثير الإنشاء الواقعي في انقداح الداعي»؛ فإن المقصود هو عدم تأثير الإنشاء في انقداح الداعي لدى المكلف لا عدم تأثير الإنشاء لانقداح الداعي لدى المولى لجعله بداعي البعث و التحريك؛ فإن هذا لا معنى له بعد فرض حصول الإنشاء و تحققه في عالم الجعل؛ لأن الداعي عند المولى حاصل قبل الإنشاء كما هو واضح، فليس المقصود عدم جعلها بهذا الداعي من الأساس بل المقصود عدم تأثير ذلك بالنسبة لغير العالم بها، فعدم العلم بالتكليف من قبيل المانع عن تأثير المقتضي (الجعل بداعي البعث و التحريك) لا أن يكون نافياً للمقتضي. وعليه، ينبغي الأخذ بعين الاعتبار ما ذكرناه في كيفية التعامل مع المطلب محل البحث.