البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٥ - الأمر الخامس وجه تسمية الأصول العملية بالأدلة الفقاهتية
بوجوب صلاة الجمعة و إما بحرمتها، و الذي يعرف بدوران الأمر بين المحذورين.
و بعبارة مختصرة: إن التكليف المشكوك فيه، إما تحريم مشتبه بغير الوجوب، و هو الدوران بين الحرمة و الإباحة، و إما وجوب مشتبه بغير التحريم، و هو الدوران بين الوجوب و الإباحة، و إما تحريم مشتبه بالوجوب أو بالعكس، و هو الدوران بين الوجوب و الحرمة، و يعبر عن الأول بالشبهة التحريمية، و عن الثاني بالشبهة الوجوبية، و عن الثالث بالشبهة الوجوبية التحريمية.
و كل نحو من أنحاء الشك المتقدمة يكون مورداً في نفسه لجريان الأصول العملية.
الأمر الخامس: وجه تسمية الأصول العملية بالأدلة الفقاهتية
ينقسم الدليل إلى الاجتهادي و الفقاهتي و المراد بالأوّل الأمارات و بالثاني الأصول العملية. وعليه، فالدليل الدال على الحكم الشرعي الواقعي يسمى بالدليل الاجتهادي، و الدليل الدال على الحكم الظاهري يسمى بالدليل الفقاهتي.
و مرجع هذه التسمية- في الواقع- إلى تعريف كل من الاجتهاد و الفقه؛ حيث يعرف الاجتهاد بأنه الظن بالحكم الواقعي، أو قل: استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالأحكام الواقعية. بينما يعرف الفقه بأنه تحصيل العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية.
و حيث أن العلم لا يكون غالباً إلا بالحكم الظاهري باعتبار أن الأحكام الواقعية لا طريق للعلم بها غالباً، فسمي الدليل الدال على الحكم الظاهري بالفقاهتي بمناسبة تعريف الفقه؛ لأنه قد أخذ في تعريفه العلم بالأحكام، و سمي الآخر بالدليل الاجتهادي بمناسبة تعريف الاجتهاد، حيث أنهم أخذوا في تعريفه الظن بالحكم الشرعي، فيكون مرادهم من الحكم الشرعي خصوص الحكم الواقعي؛ لأنّ الحكم الظاهري معلوم لدى المجتهد [١].
[١] ينبغي الالتفات إلى أن جعل الأمارات من الأدلة الاجتهادية و تخصيص الأدلة الفقاهتية بالأصول العملية أو الأدلة العملية بحسب الاعتبار المتقدم، ثم جعل الأمارات من الأدلة الدالة على الأحكام الواقعية، و تخصيص الأحكام الظاهرية بالأصول العملية، إنما هو مبني على أحد القولين في التفريق بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري، حيث يبنى على اختصاص الأحكام الواقعية بما كانت مدلولة للأدلة القطعية، أو شمولها لمطلق الأدلة المحرزة سواء كانت قطعية أم ظنية مجعولة حجة من قبل الشارع. و هذا ما أشار إليه السيد محمد تقي الحكيم في الأصول العامة للفقه المقارن، ص ٧٤ حيث قال:) و لهم في كل من الكلمتين- الحكم الواقعي، الحكم الظاهري- اصطلاحان، يراد من الحكم الواقعي في الأول منهما: الحكم المجعول من قبل الشارع للشيء بعنوانه الأولي أو الثانوي، و المدلول عليه بالأدلة القطعية أو الأدلة الاجتهادية كالأمارات و الطرق الظنية التي قام على اعتبارها دليل قطعي، و يقابله الحكم الظاهري، أي الحكم المستفاد من الأدلة (الفقاهتية) المأخوذ في موضوعها الشك، كالحكم المأخوذ من الاستصحاب أو البراءة أو غيرهما، و يراد من الحكم الواقعي في الاصطلاح الثاني الحكم المجعول من قبل الشارع و الذي دلت عليه الأدلة القطعية، و يقابله الحكم الظاهري، و هو ما كان مدلولا للأدلة غير القطعية أمارة كانت أم أصلًا».. و قد أشرنا إلى هذين القولين في الجزء الأول من هذا الكتاب فراجع.