البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٤٢ - الجهة الثانية في جريان الأصول المؤمنة و عدم جريانها
و بهذا، يتبرهن عدم كون العلم الإجمالي في مورد الدوران بين المحذورين منجزاً [١]، لا لوجوب الموافقة القطعية و لا لحرمة المخالفة القطعية، و لا لأحد الطرفين بالخصوص [٢]. و يكون وجود العلم الإجمالي من الناحية العملية كعدمه و لا تأثير له إطلاقاً [٣]، و يكون المكلّف مخيراً بين الفعل و الترك، فإن شاء فعل و إن شاء
ترك.
الجهة الثانية: في جريان الأصول المؤمنة و عدم جريانها
قوله (قدس) ص ١٥٧: «و لكن، هل تجري البراءة العقلية و الشرعية عن ... إلخ».
وقع الخلاف بين الأصوليين في جريان الأصول العملية المؤمنة- كالبراءة العقلية أو الشرعية- عن الوجوب المشكوك و الحرمة المشكوكة أو عدم جريانها، بعد الفراغ عن عدم منجزية العلم الإجمالي في المقام، فمنهم من قال بجريانها، و منهم من قال بعدم جريانها [٤].
[١] ثم إنه ينبغي الالتفات إلى أن ذلك إنما هو فيما لو لم يكن أصل منجز في أحد الطرفين كالاستصحاب مثلًا، و إلا، فسوف يتنجز أحد الطرفين بالاستصحاب المذكور، و تجري البراءة عن الطرف الآخر، و يكون حاله حال أي علم إجمالي آخر، و لا تصل النوبة إلى البرهان المذكور الذي ينتج التخيير عملياً. و لذا، اعتبر السيد الخوئي في محل النزاع عدم كون أحد الطرفين بخصوصه مورداً للاستصحاب؛ إذ عليه، ينحل العلم الإجمالي، و يجب العمل على طبق الاستصحاب بلا إشكال. راجع: دراسات في علم الأصول، ج ٣، ص ٣٢٧
[٢] و قد ذكر أنّ أحد الأقوال في المسألة هو تقديم جانب الحرمة؛ بدعوى أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة. راجع: دراسات في علم الأصول، ج ٣، ص ٣٢٧
[٣] قال المحقق الخراساني:) إذا دار الأمر بين وجوب شيء أو حرمته لعدم نهوض حجة على أحدهما تفصيلًا بعد نهوضها عليه إجمالًا، ففيه وجوه: الحكم بالبراءة عقلًا و نقلًا؛ لعموم النقل و حكم العقل بقبح المؤاخذة على خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل به، و وجوب الأخذ بأحدهما تعييناً أو تخييراً، و التخيير بين الفعل و الترك عقلًا مع التوقف عن الحكم به رأساً، أو مع الحكم عليه بالإباحة شرعاً. أوجههما الأخير». راجع كفاية الأصول، ص ٤٠٤
[٤] لا خلاف بين الأصوليين من الناحية العملية في كون المكلف مخيراً بين الفعل و الترك؛ فإنّ هذا المعنى هو ما يقتضيه القول بعدم منجزية العلم الإجمالي لكل من وجوب الموافقة القطعية و حرمتها، و أنّ هذا التخيير ثابت سواء قلنا بجريان الأصول المؤمنة أو عدم جريانها، غاية الأمر، إنّ التخيير، تارة يكون بملاك استحالة التنجيز، و أخرى، يكون بملاك عدم البيان.
و الكلام في جريان الأصول المؤمنة أو عدم جريانها، ناظر إلى ثبوت التخيير بالملاك الثاني أو عدم ثبوته، بعد الفراغ عن ثبوته بالملاك الأول.