البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٧٤ - مناقشة الوجه الأول
و من المعلوم: أن الترخيص الظاهري في نفسه ليس مستحيلًا، لما تقدم في القسم الأول من هذه الحلقة، من إمكان جعل الأحكام الظاهرية، و أن منشأ القول بامتناعه ليس هو إلا دعوى منافاته للحكم الواقعي. و قد أثبتنا بالبرهان أنه لا منافاة بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي؛ لأن التنافي بين الحكمين، إما أن يعود إلى عالم جعل الحكمين و اعتبارهما في نفسهما، و إما أن يعود إلى التضاد بين مبادئهما، و إما أن يعود إلى عالم الامتثال.
و قد اتضح بما لا مزيد عليه أنه لا منافاة بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي بلحاظ عالم الجعل و الاعتبار بما هو جعل و اعتبار؛ لأن الاعتبار بهذا المعنى سهل المئونة [١]، كما أنه لا منافاة بينهما بلحاظ عالم المبادئ و تضادها؛ لأن الحكم الظاهري لم ينشأ من مبدأ و ملاك مستقل في متعلقه لكي يكون منافياً لمبدأ الحكم الواقعي و ملاكه، و إنما نشأ من نفس مبدأ الحكم الواقعي بتوضيح و تفصيل تقدم في
محله [٢].
[١] إنّ اعتبار الحكم الشرعي، تارة يلحظ بما هو اعتبار و بقطع النظر عن أي شيء آخر، و أخرى يلحظ بما هو ناشئ من مبادئ اقتضت ذلك الاعتبار.
وعليه، فعند ما يقال: إن الاعتبار سهل المئونة، فإنه يقصد به ما كان من الاعتبار ملحوظاً باللحاظ الأول، و لأجل ذلك نقول أنه لا منافاة بين اعتبار الشارع للترخيص في مورد و بين اعتباره للوجوب أو الحرمة في ذلك المورد؛ لعدم المنافاة بين الأمور الاعتبارية المحضة.
و أما ما كان منه ملحوظاً باللحاظ الثاني، فإنه بهذا اللحاظ قد أخذ فيه كونه ناشئاً من ملاك اقتضى ذلك الاعتبار، و بهذا لم يعد أمراً اعتبارياً محضاً؛ لأنّ الملاك أمر واقعي و ليس أمراً اعتبارياً، و لأجل ذلك يتصور التضاد و المنافاة بين اعتبار الترخيص في مورد و اعتبار الوجوب في ذلك المورد. و من هنا قيل بأنّ الأحكام الواقعية متضادة فيما بينها لتضاد مبادئها و ملاكاتها، و من هنا أيضاً وقع البحث في كيفية الجمع بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية
[٢] ينبغي الالتفات إلى أنّ السيد الخوئي لم يكن نظره في المقام إلى محذور اجتماع الحكم الواقعي و الحكم الظاهري بلحاظ عالم الاعتبار و عالم المبادئ و الملاكات، كيف و قد برهن على عدم المنافاة بين الحكمين، لا بلحاظ عالم الاعتبار بما هو اعتبار، و لا بلحاظ عالم المبادئ. غاية الأمر، أنه دفع التنافي بينهما بلحاظ عالم المبادئ و الملاكات بافتراض أنّ مبدأ الحكم الظاهري في نفس جعله لا في المتعلق المشترك بينه و بين الحكم الواقعي، وعليه، فينحصر نظره في ذلك في محذور استحالة ورود الترخيص الشرعي في موارد القطع بالتكليف و إن كان بنحو العلم الإجمالي، لكون ورود الترخيص في هذه الحالة في نفسه قبيحاً، و إن لم يلزم منه وقوع المكلف في المعصية؛ فإنّ نفس الترخيص في المعصية قبيح حتى و إن لم تقع من المكلف. فتأمل.