البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٧٨ - مناقشة السيد الشهيد لهذا البرهان
الواجب بين الأقل و الأكثر، سوف يشك في أن الغرض الفعلي للمولى قائم ببعض المراتب، و هي التي تحصل بالأقل، أو هو قائم بجميع المراتب التي لا تحصل إلا بالأكثر، فيكون الشك في نفس الغرض لا في المحصل للغرض، و الشك في أصل الغرض كالشك في أصل الواجب يكون مجرى للبراءة الشرعية لا لأصالة الاشتغال [١].
و ثانياً: إن الغرض و إن كان يتنجز عقلًا بوصوله، لكن، لا مطلقاً و في جميع
الحالات، بل فيما لو وصل ذلك الغرض مقروناً بتصدي المولى لتحصيله التشريعي عن طريق جعل حكم شرعي على طبقه، أو نحو ذلك؛ فإنّ المنجزية و استحقاق العقاب على
[١] يمكن أن يقال: إن الشك في أصل وجود غرض للمولى و إن كان كالشك في أصل الوجوب من حيث كونه مورداً في نفسه للبراءة الشرعية، إلا أن المقام ليس كذلك؛ لأن دوران الغرض من حيث حصوله بالأقل و الأكثر لا يجعل أصل الغرض مشكوكاً حتى لو فرض كون الغرض ذا مراتب بعضها يحصل بالأقل و بعضها لا يحصل إلا بالأكثر؛ فإن فرض وجود غرض للمولى من إيجابه أمر مفروغ عنه كالفراغ عن أصل الوجوب، غاية الأمر، أن هذا الغرض قد يحصل بالأقل و قد يحصل بالأكثر. و هذا هو معنى تردد الواجب بين الأقل و الأكثر، فإن الغرض في الوجوب قائم بنفس الواجب، و من المعلوم: أنّ المحصّل للغرض الذي من أجله أوجب الشارع ذلك الواجب إنما هو نفس الواجب، و المفروض أنّ الواقع لا يخلو من أحدهما، فالتردد في الواجب بعد العلم بأصل الوجوب يعني: التردد في ما يحصل به غرض المولى، و هذا يعني: أن المورد من موارد الشك في المحصل للغرض، فيكون مجرى لأصالة الاشتغال لا للبراءة.
وعليه، فافتراض كون الغرض دائراً بين الأقل و الأكثر لا يغيّر من واقع الحال شيئاً من حيث معلومية أصل وجود غرض، فإذا فرض تنجيز هذا الغرض، فسوف يكون الإتيان بالأقل و الاكتفاء به موجباً للشك في استيفاء غرض المولى الذي اشتغلت عهدة المكلف به، و لا يخرج عن هذه العهدة إلا بالإتيان بالأكثر.
و لا ينبغي قياس ما نحن فيه على الشك البدوي، الذي يكون فيه الغرض مشكوكاً تبعاً للشك في أصل الوجوب؛ حيث لا مجال حينئذ للشك في المحصل للغرض؛ لأنه فرع افتراض وجود غرض يجب تحصيله، و الحال أن أصل الغرض مشكوك. و هذا بخلاف العلم بالوجوب و التردد في الواجب؛ فإنّ الغرض معلوم تبعاً لمعلومية الوجوب، و الشك إنما يكون في المحصل لذلك الغرض؛ لأنّ الشك في الواجب بعد العلم بالوجوب ينتهي لا محالة إلى ذلك. فتأمل.