البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤١٤ - تحقيق الحال في التقريب المتقدم
سواء كان النجس فعلًا و واقعاً هو المائع الخارج عن محل الابتلاء أم كان المائع الآخر القريب من المكلف و الداخل في محل الابتلاء، فالركن الأول تام بلحاظ الخطاب و المبادئ معاً في مورد الخروج عن محل الابتلاء [١].
فإن قيل: إن الزجر عن الفعل أو النهي عنه في مورد الخروج عن محل الابتلاء و إن كان ممكناً عقلًا لعدم استحالته، إلا أنه لا فائدة منه في المورد المذكور؛ و ذلك لأن عدم صدور الفعل من المكلف في مثل هذه الحالة مضمون؛ و ذلك لبعده و صعوبته بحسب الفرض. و الحال أن الفائدة المترقبة من وراء النهي و الزجر هي منع المكلف من أن يصدر منه الفعل، فيكون النهي و الزجر و الحال هذه لغواً و بلا فائدة. و نحن نعلم بأن منشأ استحالة التكليف- بمعنى: توجه الخطاب الشرعي- بغير المقدور هو محذور اللغوية الذي ينتهي إلى قبح تكليف العاجز كما مر في بحث التكليف بغير المقدور، و هذا المحذور موجود في مورد العجز العقلي و الخروج عن محل الابتلاء على حد سواء.
كان الجواب: إن الزجر في مورد العجز العقلي و عدم القدرة على الفعل يكون لغواً محضاً، بينما في مورد الخروج عن محل الابتلاء ليس كذلك؛ فإن عدم صدور الفعل و إن كان مضموناً لبعده و صعوبته، إلا أن الفعل ما دام ممكن الصدور عقلًا، فيمكن للمكلف في هذه الحالة التعبد بتركه، بالبناء على أن عدم صدور الفعل منه كان مستنداً إلى قصد امتثال النهي عنه لا لأجل بعده أو صعوبته فحسب [٢].
[١] ينبغي الالتفات إلى أن بطلان التقريب المذكور في هذا المورد لم يكن مستنداً إلى دعوى عدم سقوط النهي في هذا المورد؛ لأنه سواء قلنا بسقوطه أو عدم سقوطه فالركن الأول تام و محفوظ، لأن عدم سقوط المبادئ في هذه الحالة يكون أوضح من عدم سقوطها في الحالة السابقة و هي حالة العجز العقلي، لعدم كون الدخول في محل الابتلاء شرطاً في اتصاف الفعل بالمفسدة و المبغوضية
[٢] اعلم: أن صحة التعبد في هذه الحالة مستند إلى المبنى الفقهي في كيفية وقوع الفعل أو الترك عبادة، من حيث أنه هل يكفي في ذلك صدور الفعل أو حصول الترك بداع قربي و إن انضم إليه داع آخر غير قربي، أم أنه لا بد من صدوره بداع قربي محض من غير أن ينضم إليه أي داع آخر، بنحو يكون النهي المولوي تمام العلة في تركه؟ فإن قلنا بالأول، أمكن التعبد بالترك في المقام و الإتيان به على وجه قربي حسن و إن انضم إليه كون الزاجر الآخر عن الفعل هو مخالفته للطبع و خروجه عن محل الابتلاء. و إن قلنا بالثاني، امتنع وقوع التعبد بالترك بداع قربي؛ لأن الزاجر عن الفعل لم يكن هو النهي المولوي فقط كما هو واضح.