البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢١ - الأمر الثامن في بيان منشأ الشك في التكليف و الشك في المكلف به
الثالث: تعارض النصوص الشرعية و عدم إمكان الجمع بينها.
فإنّ الشك في الحكم الواقعي لا يخلو إما أن يكون لأجل فقدان النص الدال
على ذلك الحكم نفياً أو إثباتاً [١]، بحيث لا يوجد ما بأيدينا من نصوص شرعية ما يدل على ذلك الحكم و لا ما يدل على عدم ذلك الحكم، فيحصل الشك في الحكم الواقعي. و إما أن يكون لأجل إجمال النص بعد افتراض وجوده، كما لو جاء في النص: «لا تشرب التتن» و احتمل إرادة الكراهة منه أيضاً فيما لو لم نقل بظهور النهي في التحريم، فالأمر حينئذ يدور بين الحرمة و الكراهة، مما يوجب الإجمال في النص، فإن هذا يؤدي أيضاً إلى الشك في التكليف. و إما أن يكون لأجل تعارض النصين، كما لو ورد نص يدل على الوجوب و ورد آخر يدل على الحرمة و لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر لعدم وجود مرجح، فإن مقتضى القاعدة في هذه الحالة هو التساقط، فيكون وجودهما في هذه الحالة كعدمهما، فيحصل الشك في الحكم الواقعي.
ثم إنه لا فرق في البحث عن الوظيفة المقررة لحالة الشك مهما كان منشأ ذلك الشك، و السبب في حصوله، فسواء كان فقدان النص، أو إجماله، أو تعارض النصين و تساقطهما. فلو أثبتنا بالدليل أن الأصل الجاري في هذه الحالة هو البراءة الشرعية- مثلًا- فإنها تجري في جميع هذه الموارد بلا فرق [٢].
[١] المقصود بفقدان النص: ما كان أعم من عدم وجوده أصلًا فيما بين أيدينا من نصوص شرعية و من وجوده و عدم اعتباره شرعاً، كما لو افترضنا وجود رواية و لكنها ساقطة من ناحية الاعتبار لضعف سندها مثلًا
[٢] هذه المناشئ الثلاثة للشك في الحكم الواقعي أشار إليها المحقق الخراساني بقوله:) كان عدم نهوض الحجة لأجل فقدان النص، أو إجماله و احتماله الكراهة أو الاستحباب، أو تعارضه فيما لم يثبت بينهما ترجيح بناءً على التوقف في مسألة تعارض النصين فيما لم يكن ترجيح في البين». راجع: كفاية الأصول، ص ٣٨٥. و راجع أيضاً: فرائد الأصول، ج ١، ص ٣٨٠. و كذلك: فوائد الأصول، ج ٣، ص ٣٢٨.