البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٠٢ - مناقشة الوجه الثاني
أما الكبرى- و هي القول بأن الحسن و القبح الواقعان في مرحلة متأخرة عن الحكم الشرعي يستحيل أن يستتبعا حكماً شرعياً على طبقهما- فهي باطلة، و لا دليل عليها، فإنّ غاية ما يمكن جعله دليلًا على ذلك هو دعوى لزوم التسلسل بالنحو الذي تقدم تصويره، و هذا خلط بين التسلسل في الأمور التكوينية و الوجودات الخارجية و التسلسل في الأمور الاعتبارية؛ فإن ما هو مستحيل من التسلسل الذي يؤول إلى ما لا نهاية ما كان منه في الأمور التكوينية لا ما كان منه في الأمور الاعتبارية كما في المقام، فإنّ أمر ايقافه بيد نفس المعتبر، لأنّ موطنه التصوّر و الاعتبار ليس إلّا، فيمكن أن ينقطع التسلسل و يقف دون أن يؤول إلا ما لا نهاية له [١].
و أما الصغرى، و هي تطبيق هذه الكبرى في المقام، أي: حسن الاحتياط؛ فلأنه لا يقصد من أمر الشارع بالاحتياط استكشاف ذلك الأمر بقانون الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع حتى يقال باستحالة ذلك بدعوى أن الحسن العقلي فرع طلب الشارع فإذا استتبع حكماً شرعياً لزم التسلسل، بل المدّعى أن استحباب الاحتياط يثبت بدليل شرعي دلّ على استحبابه [٢]، و الكلام إنما فيما هو المانع عن ثبوت مثل هذا الأمر،
[١] ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا التفريق بين الأمور التكوينية و الأمور الاعتبارية من جهة لزوم التسلسل الباطل و المستحيل في الأولى و عدم لزومه في الثانية لم يكن الهدف منه اثبات الملازمة بين الحسن و القبح الواقعين في سلسلة معلولات الأحكام و حكم الشارع على طبقهما لوضوح أنه مع الالتزام بذلك لا فرق بين الأمور التكوينية و الاعتبارية في لزوم التسلسل و ذهابه إلى ما لا نهاية؛ لأنّ الملازمة تعني: استحالة الانفكاك كما هو واضح، و لا معنى حينئذ للقول بأنّ أمر إيقافه بيد المعتبر، فإنّ هذا يناقض القول باستحالة الانفكاك، و إنما الهدف من ذلك هو اثبات عدم الاستحالة بمعنى أنه لا محذور في استتباعهما للحكم الشرعي، و لا محذور في عدم استتباعهما له. فتأمل.
[٢] و هذا المقدار لا يخالفه المحقق النائيني كما هو ظاهر كلامه حيث قال:) نعم، يمكن أن يستفاد استحبابه الشرعي من بعض الأخبار الواردة في الترغيب على الاحتياط» .. راجع: فوائد الأصول، ج ٣، ص ٣٩٩.