البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣١٧ - النحو الرابع كون العلم الساري إلى الفرد تعبدياً
يكون ما قامت عليه الإمارة معيناً لما هو المعلوم بالإجمال، كما في النحو الأول، أو لا يكون المعلوم بالإجمال فيه أية علامة أو خصوصية تمنع من انطباقه على الفرد الذي قامت عليه الأمارة، كما في النحو الثاني، فلو قيل بحصول الانحلال هنا، لكان من الانحلال التعبدي.
و قد توهم في مثل هذه الحالة حصول ما يسمى بالانحلال التعبدي في مقابل الانحلال الحقيقي، و منشأ هذا التوهم هو دعوى أن دليل حجية الإمارة يرتب بالتعبد الشرعي كل آثار العلم الحقيقي، و الذي من جملتها حصول الانحلال به، كما تقدم في النحوين الأول و الثاني، فكما أن العلم الوجداني بالفرد يحقق الانحلال فكذلك العلم التعبدي.
و هذا التوهم باطل لا أساس له من الصحة؛ لأن افتراض حصول الانحلال التعبدي يتوقف على جعل الشارع الأمارة علماً لكي يترتب عليها آثار العلم الوجداني، و هذا لا يكون إلا في أحد طريقين تاليين:
الأول: أن يقوم الشارع بتنزيل الأمارة منزلة العلم.
الثاني: أن يقوم الشارع باعتبار الأمارة علماً على طريقة المجاز العقلي.
و لا يوجد غير هذين الطريقين لتحقيق ذلك، و أيٌّ منهما لا يحقق المطلوب في
المقام.
أما الأول، فلأنه من الواضح أن التنزيل كي يصح من خلاله ترتيب آثار المنزل عليه على المنزل لا بد و أن تكون الآثار الثابتة للمنزل عليه من الآثار المجعولة و ليس من الآثار التكوينية؛ لأن الأثر التكويني للشيء لا يترتب على غيره بمجرد التنزيل كما هو واضح [١].
[١] فإنّ الآثار التكوينية الثابتة للخمر مثلًا من اللون و الطعم و الرائحة أو غير ذلك لا يمكن أن تثبت للفقّاع بمجرد تنزيل الشارع للفقّاع منزلة الخمر، بل الذي يثبت بمقتضى هذا التنزيل إنما هو خصوص الآثار المجعولة، من الحكم بنجاسته مثلًا، أو الحكم بحرمة شربه، و غير ذلك من الآثار الجعلية التي يكون التنزيل بلحاظها.