البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣١١ - تحقيق الحال في القولين السابقين
فإذا فرض تقديم دليل حجية الأمارة على دليل الأصل المؤمن، فلا بد من إبراز نكتة أخرى غير نكتة الحكومة المتوهمة، من قبيل: أن يقال بأن دليل حجية الأمارة مقدم على دليل الأصل بملاك الأخصية، أو نحو ذلك، كأن يقال بأن دليل الأصل أعم مطلقاً من دليل حجية الأمارة؛ باعتبار أن موضوعه الشك و هو محرز وجداناً في كل مورد لم يقم دليل قطعي عليه، سواء قامت أمارة معينة في ذلك المورد أم لم تقم، بينما دليل حجية الأمارة أخص مطلقاً؛ لأنه لا يشمل كل شك في كل مورد، و إنما يختص بمعالجة مورد الشك الذي قامت فيه تلك الأمارة، و لا يشمل الشك الذي لم تقم فيه الأمارة، فيقدم تخصيصاً [١].
و بعد افتراض تقديم دليل حجية الأمارة على دليل الأصل بالأخصية [٢]، فسوف
[١] لو فرضنا أنه قد حصل لنا الشك في وجوب صلاة العيد، و الشك في حرمة التدخين، و الشك في حرمة أكل لحم الأرنب، ثم قامت الأمارة على حرمة أكل لحم الأرنب، فدليل الأصل العملي شامل في نفسه للموارد الثلاثة المذكورة، بينما دليل حجية الأمارة يختص بالمورد الأخير، و يتعارض في خصوص هذا المورد مع دليل الأصل العملي، فموضوع دليل حجية الأمارة أخص مطلقاً من موضوع دليل الأصل فيقدم عليه في مورد التعارض تخصيصاً. فتكون النتيجة بعد التخصيص، هي جريان الأصل المؤمن في كل شك في التكليف، إلا الشك الذي قامت فيه الأمارة الحجة على التكليف.
[٢] إن قلت: لما ذا كانت دعوى التخصيص مقبولة بخلاف دعوى الحكومة، مع العلم بأن مورد دليل حجية الأمارة هو الشك في الجامع، بينما مورد دليل الأصل هو الشك في الفرد، فلا اتحاد في المورد في الدليلين، و هذا النحو من الاختلاف في المورد إن كان مانعاً من الحكومة، فلما ذا لم يكن مانعاً من التخصيص أيضاً؟
كان الجواب: إنه لا إشكال في وقوع التعارض بين دليل حجية الأمارة و دليل الأصل الجاري في الطرفين، و الذي فرضنا أنّ البحث في هذه المسألة يبتني عليه، كما أنه لا إشكال في أصل تقديم الأول على الثاني عند التعارض بينهما، إلّا أنّ التقديم، لا بد و أن يكون قائماً على أساس نكتة و ملاك و ليس أمراً اعتباطياً، و لأجل ذلك، وقع البحث عند الأصوليين في بيان نكتة التقديم و ملاكه كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.
و من المعلوم: أنّ ملاك التقديم بالحكومة إنما هو نظر الدليل الحاكم إلى مورد الدليل المحكوم، الذي بدونه لا تتم الحكومة. فإذا اختلف مورد الدليلين كما هو المفروض في المقام، فلا وجه حينئذ للقول بأنّ أحدهما ناظر إلى الآخر؛ لأنّ النظر لا بد فيه من اتحاد المورد كما هو واضح.
و الظاهر أنّ هذه هي النكتة التي دعت السيد الشهيد لإنكار دعوى الحكومة؛ لأن الحكومة تعني نفي الموضوع تعبداً. و هذا بخلاف التخصيص، فإنه ليس نفياً للموضوع تعبداً كما هو واضح، بل الموضوع في مورد التخصيص باق على حاله، و المنفي بمقتضى المخصص إنما هو حكم الفرد الذي كان حكم العام شاملًا له في نفسه.
و من الواضح أنّ ملاك التخصيص (و هو الأخصية) متحقق في المقام، و إن كان مورد دليل حجية الأمارة في المقام هو الجامع و مورد الأصل هو الفرد؛ فإنّ هذا لا يمنع من التخصيص بعد فرض كون الموضوع في أحدهما أعم مطلقاً من الآخر، بعد عدم كون خروج الخاص عن حكم العام بالتخصيص خروجاً تعبدياً، بخلاف الخروج بالحكومة، فهو خروج تعبدي يحتاج إلى إحراز كون الدليل الحاكم ناظراً إلى الدليل المحكوم كما أشرنا سابقاً.
هذا هو السر في كون التخصيص مقبولًا في المقام دون الحكومة.