البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٤٩ - الاعتراض الثالث المنع من جريان أدلة البراءة الشرعية عموماً
و كذلك جعل إيجاب الاحتياط تجاه الحرمة المشكوكة، فيكون الرفع الظاهري في كل من الوجوب و الحرمة ممكناً أيضاً؛ و ذلك لأن كل
واحد من الرفعين لا يقابل إلا وضعاً واحداً لا مجموع الوضعين [١].
الاعتراض الثالث: المنع من جريان أدلة البراءة الشرعية عموماً
قوله (قدس) ص ١٦٠: «الثالث: الاعتراض على شمول أدلة البراءة ... إلخ».
يتمثل الاعتراض الثالث بالمنع عن شمول أدلة البراءة الشرعية عموماً للمورد المذكور؛ و ذلك بدعوى انصرافها عن المورد؛ و ذلك لأن أدلة البراءة الشرعية عموماً إنما جاءت لتعالج حالات التزاحم بين الأغراض الواقعية في مقام الحفظ التشريعي.
و حالات التزاحم الحفظي، تارة تكون بين غرضين: أحدهما: لزومي، و الآخر: ترخيصي، كالشك في وجوب شيء أو إباحته، أو الشك في حرمة شيء أو إباحته. و أخرى، تكون بين غرضين لزوميين، كما في المقام، حيث أن الترديد يكون بين الوجوب و الحرمة.
و المنساق من أدلة البراءة الشرعية إنما هو علاج المولى لحالات التزاحم بين الأغراض اللزومية و الأغراض الترخيصية بتقديم الغرض الترخيصي على الغرض اللزومي، لا علاج حالات التزاحم بين غرضين لزوميين [٢] كما هو الحال في المقام،
[١] يمكن أن يقال: إن رفع التكليف في كل طرف و إن كان لا يقابل إلا وضع التكليف في ذلك الطرف و الحكم بوجوب الاحتياط تجاهه فيكون ممكناً في نفسه، إلا أن مجموع الرفعين يقابل قطعاً مجموع الوضعين، و حيث أن مجموع الوضعين مستحيل، فيكون مجموع الرفعين مستحيلًا بالتبع، من دون فرق في ذلك بين رفع الجميع ابتداءً و بين رفع كل منهما بعنوانه و الذي ينتهي إلى رفع الجميع أيضاً، كما أنّ أحد الرفعين و إن كان ممكناً، إلا أن تعيينه في هذا الطرف أو ذاك يكون من الترجيح بلا مرجح، فينتهي الأمر إلى التعارض و التساقط، الأمر الذي يعني: عدم جريان حديث الرفع في المقام. فتأمل.
[٢] إن قلت: إنّ الترجيح في موارد التزاحم الحفظي إما أن يكون للغرض الترخيصي، فتجعل البراءة الشرعية، و إما أن يكون للغرض اللزومي، فيجعل الاحتياط الشرعي، و في المقام، جعل الاحتياط الشرعي لأجل التحفظ على الغرض اللزومي في كل من الوجوب و الحرمة، ممتنع، الأمر الذي يعني: أنه لا طريق لحفظ الغرض اللزومي في المقام.
كان الجواب: إنّ القول بأنّ الترجيح إما أن يكون للغرض الترخيصي و إما أن يكون للغرض اللزومي إنما هو مخصوص بموارد التزاحم بين الأغراض الترخيصية و الأغراض اللزومية، و أما موارد التزاحم بين نفس الأغراض اللزومية كما في المقام، فيكون الترجيح لأحد الغرضين اللزوميين على الآخر إذا فرض كونه أهم منه، فيجعل الاحتياط الشرعي في مورده، و هذا لا يتنافي مع ما ذكرناه من امتناع الاحتياط في المقام و عدم إمكانه؛ فإنّ ما هو ممتنع في المقام إنما هو حفظ الغرضين اللزوميين معاً و جعل الاحتياط تجاههما، لا حفظ أحدهما: فإنه ليس بممتنع، فيمكن جعل الاحتياط الشرعي تجاه الحرمة إذا كان الغرض اللزومي فيها أهم من الغرض اللزومي في الوجوب، كما يمكن العكس. فتأمل.